خبراء اقتصاديون: ضعف قيمة الجنيه يدعم صادرات مصر

المدينة نيوز - رأى خبراء ومحللون اقتصاديون أن استمرار الضغوط على الجنيه المصري والتي أدت إلى تراجع قيمته في الفترة الأخيرة ليبلغ أدنى مستوى له في تاريخه مقابل الدولار متجاوزا حاجز 10ر6 جنيه في السوق الرسمية سيدعم القدرة التنافسية لصادرات مصر وزيادة الإقبال على منتجها المحلي، إلا انه قد يهدد بارتفاع حاد بأسعار السلع والمنتجات بالسوق المحلية وانفجار معدلات التضخم.
واكدوا في ان خطوة ترك سعر صرف الجنيه لقوى العرض والطلب بشكل كامل كبديل للدعم الجزئي من قبل البنك المركزي قد يؤدي إلى مزيد من الضعف له، ويجب ان تكون محسوبة بدقة من كافة الجوانب، حتى وإن كان هذا شرطا من شروط حصول مصر على قرض صندوق النقد الدولي البالغ قيمته 8ر4 مليار دولار.
وقال الخبير الاقتصادي الدكتور عمر عبد الفتاح ان الحكومة المصرية فيما يبدو وعت لهذا التحرك التدريجي في سعر الدولار في السوق المحلية والذي بدأ منذ نحو الشهر ، ما دفعها للإسراع بإعادة المفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على القرض كما كثفت جهودها للحصول على دعم مادي من بعض دول الخليج في محاولة للسيطرة على نقص سيولتها من العملة الصعبة ووقف نزيف تراجع الاحتياطي النقدي بالبنك المركزي.
وأضاف ان تراجع سعر الجنيه المصري مقابل العملات الاجنبية خاصة الدولار له ايجابياته وسلبياته، مشيرا إلى ان أهم الايجابيات تتمثل في دعم الصناعة المحلية مقابل عمليات الاستيراد التي تسود السوق من سلع مهمة وأخرى غير مهمة وكمالية تكلف مليارات الدولارات.
وأوضح أن التحرر النسبي للجنيه سيصب في صالح المنتج المصري ويؤدي إلى طفرة كبيرة في نشاط الصناعة المحلية نظرا لأن ارتفاع سعر الدولار والعملات الأخرى سيؤدي إلى ارتفاع أسعار المنتج المستورد مقابل المنتج المحلي، وهو ما يعني لجوء المستهلك المصري لشراء الصناعة المحلية وبالتالي يحدث رواج للمصانع المصرية وتوفير فرص عمل للشباب المصري.
وبين عبد الفتاح انه كلما كانت العملة المحلية أكثر تحررا فإن ذلك سينعكس إيجابيا على التصنيفات الائتمانية التي تصدر من المؤسسات الدولية تجاه العملة وقدرة الدولة على سداد الديون، فضلا عن تقليل الضغط على الاحتياطي النقدي حيث ان حرية تحرك سعر الصرف لن تجبر البنك المركزي على السحب من الاحتياطي النقدي لدعم الجنيه.
وحول التأثيرات السلبية لإنخفاض سعر الجنيه مقابل العملات الأخرى، اوضح ان ذلك سيؤدى إلى ارتفاع ملحوظ بالأسعار في السوق المحلية خاصة المستوردة، وبالتالي ارتفاع معدلات التضخم وهو ما قد يحدث بعض المشكلات للحكومة.
وأشار إلى ان ارتفاع الدولار مقابل العملة المحلية سينعكس سلبا أيضا على أداء البورصة نظرا للخسارة التي سيتعرض لها المستثمر الأجنبي الذي يريد تحويل محفظته الدولارية إلى الجنيه ليقوم بشراء الاسهم المصرية، وعند خروجه يعيد تحويل محفظته بالجنيه إلى الدولار الذي قد يرتفع سعره، ما يكبد المستثمرين خسائر كبيرة قد تدفعهم للأحجام عن الاستثمار بالبورصة من الأساس.
من جانبه رأى نائب رئيس الجمعية المصرية للتمويل والاستثمار محسن عادل ان الارتفاع الملحوظ في اسعار صرف الدولار امام الجنيه المصري خلال الفترة الماضية يرجع إلى انخفاض الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي، صاحبه زيادة في الواردات نتيجة تراجع الانتاج محليا على خلفية الاحداث التي تلت ثورة 25 يناير.
واعتبر ان الوضع الحالي بالنسبة لسوق الصرف يعتبر وضعا مؤقتا حيث من المتوقع إرتفاع موارد الدولة من العملات الاجنبية وانتعاش الاحتياطي من خلال السياسات الاقتصادية التي بدأ تنفيذها خلال الأيام الماضية، ما قد يؤدي إلى عودة التراجع لسعر الدولار مقابل الجنيه.
وأشار إلى ان المساعدات النقدية التي تدفقت لمصر مؤخرا من السعودية وقطر من المتوقع ان تتدفق في الفترة المقبلة من البلدين، بالإضافة الى ان قرض صندوق النقد وبعض الجهات الأخرى من شأنه ان يوفر مزيدا من الغطاء النقدي الاجنبي.
وأضاف ان هناك خللا واضحا في ميزان مصر التجاري مع التزايد المتواصل لحجم الواردات مقابل تراجع ملحوظ في صادراتنا ما سيمثل ضغوطا كبيرة على الجنيه حال رفع قبضة المركزي عنه.
وقال عادل ان تراجع الجنيه له إيجابيات تتمثل في خفض قيمة الدين الداخلي ورفع تنافسية الصادرات، إلا ان ذلك سيمثل في الوقت نفسه خطورة من ناحية زيادة معدلات التضخم وإرتفاع أسعار الواردات في ظل خلل الميزان التجاري بالإضافة الى ضغوط على الاقتصاد المصري في مرحلة التعافي الحالية.
من جانبها توقعت شركة المجموعة المالية هيرميس ان يشهد الجنيه المصري مزيدا من الضعف بسبب الأزمات الاقتصادية التي تشهدها البلاد، مشيرة إلى انه حتى في حال نجاح مصر في الحصول على قرض صندوق النقد إلا ان ذلك لن يكون كافيا.
وفقد الجنيه المصري نحو 6 بالمئة من قيمته منذ اندلاع ثورة 25 يناير ليسجل اعلى مستوياته في سوق الصرف الرسمية عند 10ر6 جنيه مقابل الدولار الأميركي وذلك مقارنة مع 75ر5 جنيه قبيل اندلاع الثورة.
بدوره، أشار الخبير الاقتصادي محمد النجار الى ان السعر الرسمي للجنيه المصري بلغ هذه الأيام أدنى مستوياته في تاريخه مقابل الدولار، مشيرا إلى ان الجنيه لم يهبط إلى هذا المستوى حتى وقت تحرير سعر الصرف عام 2003.
وقال النجار ان تدهور سعر الجنيه المصري سيكون له العديد من التداعيات السلبية على الاقتصاد تتمثل في ارتفاعات غير محدودة في أسعار السلع والمنتجات في السوق سواء المستوردة أو محلية الصنع، خاصة في ظل ضعف الرقابة على الأسواق، كما سيكون له أثر سلبي على ميزان المدفوعات، وسيزيد من تكاليف الاقتراض من الخارج عن معدلات الفائدة المعلنة نظرا لفروق الاسعار.
ورأى النجار ان ارتفاع سعر الدولار إلى مستويات ما بين 20ر6 الى25ر6 جنيه تعتبر أمنه ومقبولة، وربما تأثير ذلك يكون مقبولا على الأسعار، لكن زيادتها إلى معدلات أكبر قد يكون له انعكاسات سلبية شديدة وقد تؤدي إلى زيادة معدلات الفقر في مصر نظرا لانخفاض الدخول وارتفاع الاسعار المتوقع والذي لن يصاحبه زيادة في المرتبات نظرا للعجز الذي تعاني منه الموازنة العامة.
وأشار النجار إلى ان ترك حرية التحرك للجنيه المصري قد تكون من شروط صندوق النقد الدولي لمنح مصر القرض مطالبا الحكومة المصرية بضرورة دراسة تداعيات ذلك بتأني وتوضيح خطتها تجاه سعر الصرف.
وأشار إلى ان الدراسات توضح ان كل زيادة بنسبة 1 بالمئة في سعر الدولار سيؤدي إلى زيادة أسعار السلع والمنتجات في السوق بنسبة لا تقل عن 10 بالمئة نظرا لأن ذلك سيؤدي إلى زيادات أخرى في تكلفة النقل والتأمين وغيرها من الخدمات التي تقدم للمنتح حتى يصل إلى المستهلك.
وبين ان انخفاض قيمة الجنيه سيعزز من القدرة التنافسية للصادرات المصرية في الأسواق الخارجية، مشيرا إلى ان ذلك يبقى على الورق فقط، لكن يجب الاخذ بالاعتبار ان مصر في الأساس دولة مستوردة وليست مصدرة ولا يوجد لديها منتجات عديدة تسعى للمنافسة بها وبالتالي التأثير الإيجابي المتوقع قد لا يتحقق.
وأوضح انه يجب قبل ترك المجال لحرية تحرك الجنيه في السوق، ان تحقق طفرة صناعية محلية يمكنها سد الحاجة للاستيراد من الخارج، بالإضافة إلى خلق منتج مصري جيد قادر على المنافسة الحقيقية في الخارج.
ورأى النجار ان كل 10 قروش زيادة في سعر الدولار في السوق المحلية ستؤدي إلى زيادة في العجز في ميزان المدفوعات بنسبة تتراوح ما بين 6 الى 8 بالمئة فضلا عن ان تكلفة قرض صندوق النقد الدولي ذاته سترتفع لان مصر ستحصل عليه بتكلفة محسوبة على سعر الصرف الحالي، البالغة نحو 6 جنيهات للدولار على سبيل المثال.
وبين النجار ان ذلك يعني ان تكلفة كل مليار دولار من القرض على الموازنة العامة للدولة تبلغ حاليا 6 مليارات جنيه، لكن عند سداد قيمة القرض قد تصل إلى 7 مليارات جنيه حال ارتفاع سعر الدولار إلى مستوى 7 جنيهات بعد سنوات، ما يعني ان تكلفة القرض على موازنة الدولة ستصل إلى أضعاف التكلفة المعلنة حاليا وهي 1ر1 بالمئة وقد ترتفع عن تكلفة الاقتراض الداخلي.
وطالب النجار بضرورة التوافق حول سعر الصرف بين الحكومة والبنك المركزي خاصة ان البنك المركزي نجح على مدار السنوات الماضية وحتى بعد قيام ثورة 25 يناير في الحفاظ على سعر الصرف في حدود 6 جنيهات للدولار.(بترا)