تحالف وطني عريض في مواجهة التطرف

حماية الأردن من التطرف والعنف فكراً ومنهجاً وممارسة هدف واقعي لكل الشعب الأردني والدولة الأردنية، وينبغي أن يكون في هذه المرحلة أولوية تتقدم على كثير من الأولويات الأخرى، وينبغي أن يكون ذلك ثمرة لاستراتيجية شاملة، يشترك في وضعها وتنفيذها كل مكونات الدولة بلا استثناء، لأن هذه المهمة ليست منوطة بالحكومة والأجهزة الرسمية فقط، بل إن المواطن يمثل عنصراً فاعلاً في عملية المواجهة، حيث لا يقتصر دوره على التلقي والانتظار وترقب النتائج.
لقد بات من المؤكد أن أهم عامل من عوامل النجاح وتحقيق النصر في هذه الجولة أن تكون القوى الشعبية والمكونات المجتمعية شريكاً فاعلاً مع إدارة الدولة في عملية المواجهة الشاملة، من خلال وضوح الرؤية والرسالة والأهداف والوسائل، التي تحقق القناعة التامة لدى شرائح واسعة في المجتمع، مما يقتضي البحث عن صيغ المشاركة، وعن آليات التعاون المثمر التي تنتج الحماس والاندفاع الجمعي نحو تحقيق الهدف، بالإضافة إلى توزيع الأدوار والمسؤوليات، وسد الثغرات في جدار الصد المنيع القادر على الصمود أمام موجات الغزو، ومقاومة حالات الاختراق الخطيرة في جسد الأمة.
ولذلك كان هناك دعوة مبدئية لبعض الأطراف الوطنية لدراسة فكرة بناء تحالف وطني عريض، أو جبهة وطنية واسعة، يشترك فيها أكاديميون وأساتذة جامعات، وأحزاب وقوى سياسية، ونقابية، ومراكز دراسات وبحث، وشخصيات وطنية، وقوى شبابية وطلابية ومؤسسات ثقافية وفكرية، من أجل التفكير في إيجاد جهد جماعي شعبي واسع منبثق من استراتيجية شاملة قادرة على مواجهة خطر التطرف والفكر المنحرف الذي يهدد أبنائنا وأوطاننا ومستقبل الأجيال، وكانت الاستجابة رائعة ومبشرة تستحق التثمين.
البدء ينبغي أن يكون من نقطة امتلاك القدرة على التشخيص الصحيح والوقوف على الأسباب والعوامل التي انتجت هذه الظاهرة، وعملت على تنميتها ومدها بعناصر البقاء والقوة، ويجب الوقوف على معالم البيئة التي تصلح لاستنبات بذور التطرف ورعايتها وتهيئة الجو المناسب لانتشارها وتمددها.
مواجهة ظاهرة التطرف لا تتم إلّا عبر منظومة متكاملة من المسارات التي ينبغي العمل بها بشكل متواز، لأن النجاح في أحد المسارات متوقف على النجاح المتحقق في الأخريات، وأن الانفراد بواحد منها لا يحقق الهدف، وغير قادر على الحسم، بدليل التجربة الني نشاهدها ونلمسها ونحسها عبر عقد من السنوات السابقة.
ربما يكون المسار التعليمي التربوي هو الأكثر أهمية وخطورة على هذا الصعيد، الذي يشمل المناهج والمدرسين، وطرق التدريس وأساليب التعليم، ولكن هذا المسار يجب أن يكون مرافقاً ومتزامنا مع برامج الإصلاح على كل المسارات الأخرى التي تشكل البيئة العامة لتحقيق النجاح بطريقة شاملة ومتصلة.
يجب تسريع برنامج الإصلاح السياسي المرسوم وفقاً لجدول زمني واضح، يجعل جموع الشباب ومكونات المجتمع تشعر بأنها جزء من عملية الإصلاح المتدرج، وشريكة في صنع القرار الذي يخص واقعها ومستقبلها، حتى لا تكون البيئة السياسية طاردة للعقل الشبابي، بالإضافة غلى ضرورة إصلاح المسار الاقتصادي الذي يعالج البطالة والفقر دون إبطاء، وأن يشعر الجيل بمستقبل منتج ومضيء، وأن لا يشعروا بالأفق المسدود وأن لا يصتدموا بجدار اليأس الذي يدفعهم للبحث عن حلول أخرى غير مرضية.
وما هو أهم من ذلك إيجاد العدالة الاجتماعية، ونفي الاحساس بالظلم من خلال إرساء معايير الشفافية والنزاهة على أرض الواقع، وعدم الاكتفاء بالشعارات والتنظير، والوعظ الجاف الذي يفتقر إلى المصداقية في التنفيذ والتطبيق والخطوات العملية المحسوسة.
التحالف الوطني المنتظر يريد أن يجيب على سؤال كبير مطروح يتعلق بالدور المجتمعي في هذه المواجهة، وهل يستطيع المجتمع بكل مكوناته أن يكون رديفاً وسنداً لمؤسسات الدولة، وهل هناك من سبيل للبحث عن صيغة عملية تجعل مكونات المجتمع قادرة على ممارسة دور إيجابي مبادر وفاعل وشريك فعلي مؤثر.
(الدستور 2015-02-12)