اليمن والفصل السابع: «حكاية».. تتكرر !

بمثول هذه العجالة «قد» يكون قرار مجلس الأمن الدولي «في صيغته الجديدة» قد صدر، بعد أن قوبلت الصيغة السابقة التي جاءت في مشروع قرار يُحمِل الحوثيين مسؤولية تدهور الاوضاع في اليمن بـ»فيتو» روسي، ما أعاد الى الاذهان وقائع الازمة السورية التي شكّلت سابقة في مسيرة المجلس عندما التقى الفيتو الروسي بالصيني لثلاث مرات متتالية، هذا المجلس الذي لم تتغيّر هيئته منذ قيام الأمم المتحدة قبل سبعة عقود (1945) وبقي المهيمنون على قرار المجلس (أصحاب الفيتو) في مواقعهم، يحركون قراراته في الاتجاه الذي يخدم مصالحهم الاستراتيجية، على النحو الذي مارسته الولايات المتحدة الاميركية ازاء مختلف ازمات العالم، وكانت حمايتها لاسرائيل (عبر الفيتو) وضد الحقوق الفلسطينية والعربية، الدليل الأسطع في معاداة حقوق الانسان والتنكر لمبادئ الأمم المتحدة ذاتها وازدراء القانون الدولي.
ما علينا..
روسيا افشلت مشروع القرار السابق، وهي التي حالت دون صدور قرار فجر اليوم تحت البند السابع، ما يعني ان اليمن قد دخل ساحة صراع جديدة (وساخنة)، بين موسكو وواشنطن، يضاف الى «سلسلة» بؤر التوتر الساخنة التي انفجرت، او في طريقها الى الانفجار، بعد تعذّر ايجاد قواسم مشتركة بين البيت الابيض والكرملين، حيث الاول (اميركا) لا يرى في الثاني «شريكاً»، بل ويقلّل من مكانته ولا يصنف اوباما روسيا إلاّ كدولة عادية، لن ترقى الى مقام الدولة الكبرى، فيما بوتين يؤكد ان الاستثناء الاميركي الذي تتبجح به الولايات المتحدة في البروبغاندا التي تبثها، ليست سوى اساطير واوهام.
اليمن بات جزءاً من الصراع المحتدم بين بوتين واوباما.. وربما يكون جزءاً من محاولة تصفية الحسابات التي «استجدّت» بعد انهيار اسعار النفط في الاسواق العالمية والتي لم تتردد موسكو في وصفه، بأنه نتاج أسباب سياسية تواطأت فيها واشنطن مع كبرى الدول المنتجة للذهب الاسود، كي تزيد من وطأة عقوباتها الاقتصادية على روسيا حيث لم يعد المسؤولون الروس يقللون من شأنها ويعترفون بأنها أثّرت سلباً على الاقتصاد الروسي الضعيف اصلاً، لكن ذلك لن يؤدي الى تنازلات سياسية روسية، سواء في الملف السوري وخصوصاً الاوكراني, ما بالك وقد اضيف اليمن الان الى هذه القائمة، دون اهمال العلاقات المتنامية بين القاهرة وموسكو ودلالات موافقة بوتين على بناء مفاعل نووي - للأغراض السلمية - في منطقة الضبعة بمصر, هذا المشروع الذي تعطل طويلاً وكثيراً لاسباب مصرية داخلية زكمت رائحة الفساد فيه الأنوف, بعد أن سال لعاب المتنفذين على اراضي تلك المنطقة.
يصعب كذلك إبعاد الأزمة اليمينة عن لعبة المحاور الاقليمية وسياسة المواجهة المحتدمة في المنطقة, والتي لم تعد خافية على أحد, وهي آخذة في التصاعد, لأن الامور توشك أن تصل الى نقطة اللاعودة، ولم يعد بمقدور أحد من الاطراف وخصوصاً موسكو وواشنطن، التراجع عن موقفيهما ازاء جملة من القضايا والملفات, التي باتت تَفرِض على المشهد الدولي نسخة اخرى من الحرب الباردة، ولكن في صورة أقل «سخونة» مما كانت عليه بين العملاقين الاشتراكي والرأسمالي والتي انتهت، كما هو معروف، الى انتصار الاخيرة, لكنه انتصار اشبه بالفوز في معركة أو معركتين، ولكن ليس في حرب حاسمة، كتلك التي حدثت إبان «تحالفهما» الاضطراري في الحرب الكونية الثانية لمواجهة مخاطر النازية والفاشية وشرورهما.
لن يتراجع الكرملين في اوكرانيا، حتى لو انهارت هدنة مينسك الثانية التي بدأ تطبيقها يوم أمس، أياً كانت الاثمان التي ستترتب عليها, وبخاصة أن هناك من يقول (الاميركي بالطبع) ان إتفاق مينيسك الذي توصلت اليه رباعية النورماندي (روسيا, اوكرانيا, المانيا وفرنسا) كان انتصاراً لبوتين شخصياً, ما يستبطن تهديداً اميركياً بإفشاله، لأنه غير مسموح (اميركياً) بأن ينتصر بوتين, ما بالك ان الوسيطين (الالماني والفرنسي) كانا.. من حلفائه!!
روسيا لن تُقدّم تنازلات في سوريا ايضاً, بعد أن لم تعد كفة المعارضات راجحة وخصوصاً عسكرياً، إثر الهزائم المتلاحقة التي تعرضت لها وبخاصة في مثلث ارياف دمشق، درعا والقنيطرة، وأيضاً وهذا مهم في دلالاته وأبعاده, بعد أن اعلن المبعوث الدولي لسوريا دي ميستورا، علانية أمام محافل اوروبية رسمية ان الرئيس السوري «جزء من الحل» بكل ما يعنيه هذا سياسياً وخصوصاً.. اوروبياً.
ماذا عن اليمن؟
لن تُفرّط موسكو بـ(الجبهة) الجديدة, لأن الفرصة مواتية لها ولحلفائها في المنطقة وخصوصاً ايران, كي تستعيد التوازن السابق الذي ارادت واشنطن «كَسْرَه» بعد اندلاع الأزمة الاوكرانية (قبل عام من الان) وخصوصاً بعد الانقلاب الذي قام به انصارها، يتقدمهم الفاشيون الاوكران (ميليشيا القطاع الايمن) ضد الرئيس المُنتخب يانكوفيش, وما آلت اليه الامور لاحقاً في منطقة الدونباس (جنوب شرق اوكرانيا).. لهذا لن يستبد القلق بانصار الله بعد صدور القرار الاخير، لأنه لم يأت تحت البند السابع.. رغم أن عليهم أن لا يطمئنوا كثيراً, لأن «كثيرين» لن يُسلِموا لهم، ببسط السيطرة الكاملة على موقع استراتيجي... كاليمن.
(الرأي 2015-02-16)