لمواجهة التطرف.. على الدولة التزام الحياد

أسوأ ما يمكن أن تقع فيه عمليات مواجهة التطرف، هو حمل الناس على خطاب ديني محدد، يعتقد أصحابه أنه خطاب معتدل أو أنه الصواب، ثم العمل على فرضه في المدارس والجامعات والمساجد. إذ سوف تبدد الحكومة بذلك أموال دافعي الضرائب، وسيزيد التطرف أيضا؛ فنكون كمن ننفق من مواردنا الشحيحة على التطرف.
ليست وظيفة الدولة، ولا يمكنها عمليا، أن تلزم الناس بفهم الدين وتطبيقه، فهذه مسؤولية المجتمع والأفراد، إضافة إلى أنها مسألة متعلقة بإيمان الناس وضمائرهم، وهو ما لا يمكن أبدا ولا يحق لأحد أن يمارسه تجاه إيمان الناس وقناعاتهم وأفكارهم.
ثمة حاجة كبرى وأكيدة بالطبع للرد على أفكار وخطاب الجماعات المتطرفة، وأن يقدم للجمهور خطاب معتدل وإصلاحي، ولكن ليس على سبيل الإلزام، ولا حتى التبني الرسمي لهذا الخطاب. وللتذكير، ولا بأس في تكرار ذلك، فإن من تصدى للخطاب الإصلاحي والعقلاني هو المؤسسات الرسمية، وما عنا ببعيد أمر علي عبدالرازق، وطه حسين، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد محمود طه، ومن قبلهم ابن رشد ورفاعة الطهطاوي والسهروردي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والكواكبي.. لقد كانت أزمة الخطاب العقلاني والمعتدل مع السلطات والمؤسسات الرسمية، ولم تكن فقط مع الجماعات الدينية المتطرفة! ولا يمكن أبدا التصديق ولا القبول بأن الحرمان والعزل الذي طبق على الإصلاحيين كان بضغط الجماعات الدينية؛ كيف نصدق ذلك ونحن نرى سلطات عربية تهرس الجماعات هرسا؟
أفضل وأهم ما يمكن أن تقوم به المؤسسات الدينية الرسمية لمواجهة التطرف، هو ألا يكون لها دور تنفيذي مباشر في إدارة وتنظيم الشأن الديني. ولم يكن، على مدى التاريخ الإسلامي، دور ديني للسلطة في مجالات التعليم والإفتاء والفقه والدعوة والإرشاد، لم تقم الدولة بذلك إلا في ظل الدولة الحديثة! الأزهر كان مؤسسة مستقلة عن الدولة منذ نشأته وحتى خمسينيات القرن العشرين، والمساجد في الأردن كانت تقوم عليها المجتمعات المحلية حتى سبعينيات القرن العشرين، وكل ما لدينا من تراث علمي وفقهي ومؤسسات علمية، كالمذاهب الفقهية والمدارس والمساجد والتأليف والجدل الديني.. كل ذلك وغيره، كان عملا فرديا ومجتمعيا، لم تتدخل الدولة في إدارته وتمويله. وما تقوم به اليوم وزارة الأوقاف ووزارة التربية والتعليم والجامعات وغيرها من دور ديني في التعليم والدعوة والإمامة والإرشاد والفتوى، ليس تكليفا دينيا؛ بمعنى أن الله لم يطلب من السلطات أن تفعل ذلك. فلا يوجد خطاب ديني للدولة لتتولى التعليم والإفتاء والفقه والإرشاد. وإن كان أحد يظن أن من واجبات الدولة أن تؤدي دورا دينيا، فهذا فهم وتقدير بشريان، وليسا نصا نزل من السماء.
لا مجال لمواجهة التطرف وتكريس التسامح والاعتدال، سوى أن تنسحب الدولة من المساجد والتعليم الديني في وزارة التربية وكليات الشريعة، وأن تدمج المحاكم الشرعية بالمحاكم النظامية، وتترك للمجتمعات والأفراد الجدال والحراك الديني. والدولة، بولايتها العامة وسلطاتها وأجهزتها التنفيذية، قادرة بالطبع على محاسبة كل من يخالف القانون أو يسيء استخدام عمله وموقعه في الوظيفة العامة أو المجتمعية. وبذلك، سوف تنشأ اتجاهات ومؤسسات مجتمعية متعددة، وتكون الدولة حكما ومنسقا ومراقبا لتطبيق القانون، ولن تكون طرفا في الجدال والصراع. وهذا يجعلها أكثر قبولا، ويخفف كثيرا من الصراع الديني. ويفترض أن الاعتدال قادر على أن يكتسب مؤيدين وقواعد اجتماعية بلا دعم حكومي، كما استطاع المتشددون.
(الغد 2015-02-18)