استئصال الغلو والتشدد

تم نشره الخميس 19 شباط / فبراير 2015 02:12 صباحاً
استئصال الغلو والتشدد
عماد عبد الرحمن

نعيش هذه الايام اوقاتا عصيبة وضعتنا في بوتقتها جماعات منغلقة على نفسها، تسعى لطرح نفسها بديلا عن الواقع المرير الذي تعيشه امتنا، وبدلا من طرح اليات ووسائل فكرية جمعية متحضرة، تعيد انتاج العقل العربي وتجديده، لتخرجنا من أزماتنا، نجدها تلجأ لوسائل الترهيب والتخويف والاحتفاء بالقتل البشع، لنجد الشر ينقلب على اهل، ويعود عليهم بالانقسام والانشقاق والانتقام.
الحوار الدائر وتأجيج النقاش على كافة المستويات حول انجع الطرق لمحاصرة الغلو والتطرف، ومنع تمدده، بما يسيء الى ديننا الحنيف المعتدل والوسطي، يحتاج الى دمج كامل للمجتمع ومكوناته ومستوياته، ليكون شريكا فيه، فلا يكفي ان يقتصر الحوار على الجانب الرسمي وخطباء المساجد والائمة والوعاظ، بل نحن بحاجة الى فتح حوار في كل بيت وفي كل مدرسة وجامعة وتجمع، ليدلي كل برأيه ورؤيته لما يحدث من حولنا من خلط مريب بين تعاليم الدين واصول الفقه والمرجعيات الفكرية، لتصحيح المفاهيم والمعتقدات، في كل ما يحدث بين ظهرانينا.
لا نريد ان نظلم الدين الاسلامي أكثر مما لحق به من تشويه ونقد وتجريح، فالتطرف والغلو اصبح ظاهرا في معظم الاديان والمعتقدات، وإلا فكيف نفسر ما يقوم به المستوطنون اليهود من تعديات وقتل وحرق للاطفال للفلسطينيين الذين لا يريدون شيئا الا العيش بكرامة وحرية، او بروز المتشددين المتدينين في الغرب الذين رفعوا شعارات مناهضة للآخر وكان أخرها «الحرب الصليبية»، او الممارسات الفردية التي ترتكب وكان آخرها جريمة تشابيل هيل بحق ثلاثة من الطلبة العرب في اميركا، حتى البوذية لم تسلم من التطرف فكان قتل مئات بل الاف المسلمين في مينامار وغيرها.
واذا لاحظنا ورصدنا فإن اغلبية ضحايا التطرف والغلو هم من المسلمين، سواء كان الامر بفعل من ذوي الجلدة والدين، او بفعل من الاخرين، وهذا ليس مفاجئا اذا علمنا ان ثلثي النزاعات الدائرة الان في العالم وعددها نحو اربعين نزاعا دوليا، تحدث في دول عربية او اسلامية، او يكون المسلمون طرفا فيها، وهذا مؤشر خطير على اننا نعيش اوقاتا صعبة، تتكالب فيها الامم على مقدراتنا وثرواتنا وامننا واستقرارنا، وهذه بالمناسبة ليست الهجمة الاولى ولن تكون الاخيرة، فطالما واجهت هذه الامة طغيانا واستهدافا على مر التاريخ.
قبل ان نلقي اللوم على الاخر، لننظر الى واقعنا وتعسفنا بحق بعضنا البعض، فالتنظيمات المتطرفة التي ظهرت حديثا او تاريخيا، كانت نتاج عنف وقمع استندت فيها الفئة الضالة الى موروث فقهي ثقافي ديني واسع، ومتعدد التفاسير والمقاصد، كل حسب رغباته واهوائه، فغلب تأويل النص على تحكيم العقل، وما اللجوء الى «التحريق بالنار» الا دليل على الاختلاف في المراجع والاسناد الفقهي الاسلامي لتبرير القتل الوحشي باسم الدين وباسم الله عزوجل.
ولنتعرف ان تجاوزنا لهذه المحن، لن يكون الا بأيدينا نحن اهل هذه الارض وسدنتها، ولن تنفعنا قوى الغرب ولا الشرق للوصول الى مخرج مقبول، واذا ما لم نتفق على اعادة دمج مجتمعاتنا واخراجها من ثقافة العنف التي طغت عليها، ونسيان الماضي بكل جراحه وتشوهاته واخطائه، وتحكيم لغة العقل وليس التمسك بالنص، والتمسك بسيادة القانون وتغليب العدالة والفصل بين الدين والسياسة، والغاء سلطة الجماعات المغلقة، وفتح الباب امام حرية التفكير قبل التعبير عن الرأي، وحرية الاختلاف والرأي الآخر.
وبغير ذلك، سنبقى ندور حول انفسنا، ولن يتخطى صوت العقل والموعظة حدود المساجد والقاعات المغلقة، وسيستمر نزيف الجنوح نحو التطرف والتشدد، وتتزايد القطيعة ولغة الانتقام والموت البشع والترهيب فيما بيننا، دون ان نعرف لماذا، وممن، وكيف يُقتل المسلم او العربي في اجواء احتفالية... ذبحا او تحريقا، او تقطيعا للأوصال ليل نهار ؟.

(الرأي 2015-02-19)



مواضيع ساخنة اخرى
الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية
" الصحة " :  97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم " الصحة " : 97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم
الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع
3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار 3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار
الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن
العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا
" الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار " الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار
العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا
الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي
بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان
عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي
إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن
تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام
ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي
الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة
الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات