طريق تل أبيب - نيودلهي أكثر من «سالكة»!

في اسرائيل يتحدثون وباحتفالية ورضا ,حدود التبجح, عن قفزة بل اختراق في العلاقات الاسرئيلية الهندية التي كانت بدأت مسيرتها «دبلوماسيا» في العام 1992,ثم تدرجت وسريعا,رغم بعض الحذر والسريّة التي فرضتها نيودلهي لاسباب «عربية» الى ان وضعت على طريق التحالف الاستراتيجي الذي لم يكن هو الاخر وليد الصدفة بل تدرج وفي شكل يلحظ نجاحا دبلوماسيا اسرائيليا
( ودائما بمساعدة امريكية معلنة) في الولوج الى دائرة صنع القرار الهندي , تارة باستفادة تل ابيب من المناخات الجديدة التي اوجدها مؤتمر مدريد 1991 وخصوصا بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي ولاحقا « هزال» وريثته روسيا يلتسن , ثم افرازات اوسلو وسيادة اجواء «السلام» مع اسرائيل التي تعتبر القوة الرئيسية في المنطقة وكاتبة جدول اعمالها.. دون اهمال آثار التقارب الاسرائيلي الصيني على خيارات نيودلهي وبخاصة بعد ان لم يعد لدى العرب ما يقدمونه للهند ( بافتراض انهم يقدموا لاصدقائهم شيئا حتى ولو كلمة شكر وامتنان) , سواء في عهد حكومات حزب المؤتمر ( حزب نهرو الزعيم الشهير لدول عدم الانحياز وابنته انديرا غاندي ) أم خلال حكومات الحزب الهندوسي القومي المتطرف وكاره المسلمين في الهند ( حزب بهراتيا حاناتا ) الذي لا يكترث كثيرا بالعلاقات العربية , وربما يكون محقا في هذا الشأن , بعد ان كرّس العرب لامبالاتهم في المشهد الاقليمي والدولي , كدول لا تقيم وزنا لمصالح الاخرين بل تنقلب عليهم فجأة بمبررات متهافتة لا تصمد في اختبار قواعد الدبلوماسية وأهمية التحالفات في العصر الحديث..
ما علينا....
اسرائيل التي لا يمكن وصف انصارها في بلاد « الفيلة « , باللوبي القويّ سواء كانوا يهودا ( على قلّتهم مقارنة بالمسلمين الهنود) أم من مؤيدي الغرب والليبراليين المتأمركين , باتت حليفة للهند وشريكة مهمة لها في اكثر من مجال ,وهي اصلا دخلت الهند من بوابة « خبرتها « في الحرب على « الارهاب» حيث عرضت عليها مشاركتها في المعلومات والتدريب والتسليح لمحاربة الارهابيين « المسلمين « في كشمير, الأمر الذي قوبل بحماسة وقبول من الاجهزة الاستخبارية والمؤسسة العسكرية الهندية , ثم ما لبثت أن بدأت « سخونة « العلاقات في الارتفاع والتمدد أفقيا وعموديا على نحو باتت نيودلهي محطة لقادة اسرائيل من رؤساء حكومات
(شارون خصوصا ) ووزراء وقادة عسكريين (دع عنك الخبراء ) الى أن وصلت الى عقد صفقات عسكرية ضخمة مؤخرا جاءت تتويجا لزيارة وزير الحرب الاسرائيلي موشيه يعلون الى الهند- وبخاصة في مجال الصواريخ والطائرات بدون طيار وغيرها مما تنتجها « شركات « الصناعات العسكرية الاسرائيلية بمختلف اسمائها من «رفائيل» الى « آلبيت » - صفقة بلغت قيمتها اكثر من مليار ونصف دولار...
وبعيدا عن لغة الأرقام على أهميتها ودلالاتها وبخاصة لدولة كاسرائيل , فان اللافت في تفاصيل هذه الصفقة على ما نقلت وسائل الاعلام الاسرائيلية ( كذلك الهندية لكن التي لم تعد تبدي حرجا او خشية من ابراز علاقات الشراكة الاستراتيجية وبخاصة الأمنية والعسكرية مع تل ابيب) ، ان الهند لم تحد عن خط الاستقلال والحفاظ على السيادة والكرامة الوطنيتين في تعاملها مع اي دولة, سواء كانت عظمى عالمية ام كبرى اقليمية , فعلت هذا مع الاتحاد السوفياتي ولاحقا روسيا بوتين كذلك مع حليفتها الاستراتيجية « الجديدة» الولايات المتحدة وهي تفعل ذلك مع « اسرائيل « ,
فهي لا تشتري الأسلحة وترتهن نفسها لمزاجية ومصالح الصانع والمورد , بل تقيم المصانع على اراضيها عبر شراكة تحتفظ لنفسها بأصوات الأغلبية (51% وللآخر الباقي ) لديها مصانع طائرات الميغ الروسية, وهي لم تذعن لواشنطن عندما فرضت عليها عقوبات بعد تفجيراتها النووية المفاجئة في العام 1999 ودخولها النادي النووي عنوة , وايضا اصرت على عدم الكشف عن مصانعها النووية ذات الاستخدام العسكري حتى بعد أن عرضت عليها واشنطن تزويدها بالوقود النووي واليورانيوم وفي النهاية رضخت الادارة الامريكية وبقيت للهند كرامتها وها هي مع اسرائيل تفعل الشيء ذاته باصرارها على انشاء شركة مشتركة ( 51% ـ 49% ) لانتاج منظومات صواريخ اسرائيلية على الأراضي الهندية.
يمكن الحديث طويلا وكثيرا عن مغزى ودلالات وصول العلاقات الاسرائيلية الهندية الى هذا المستوى من التطور والتحالف الاستراتيجي وهي الهند المعروفة بصداقاتها التاريخية مع كل العرب , الا أن الدنيا مصالح ولم يعد لدى العرب ما يقدمونه لأصدقائهم سوى الملامة... لكن السؤال الأهم ونحن نتحدث عن الدولة العظمى الناهضة المسماة الهند التي ترشحها كل الدراسات أنها ستكون مع الصين المنافس الأبرز لأمريكا في العقدين المقبلين...
هل سعت أي دولة عربية ـ والعرب يشترون السلاح كثيرا وبالمليارات ـ الى انشاء أي « مصنع « عسكري على اراضيها لانتاج ولو « بنادق صيد « مقابل كل تلك المليارات ؟
في « الحلق « غصة.. وفي الفم ماء.. وفي القلب حزن ومرارة من أمة تعيش في الماضي ولم تدرك حاضرها ولم تتطلع ذات يوم الى مستقبلها...
ويسألون عن « ابتعاد « الأصدقاء في الهند والصين وفيتنام... « عنا « !....
(الرأي 2015-02-22)