الارتقاء بواقع مدارسنا

المبادرة الملكية بتنفيذ مشروع تدفئة المدارس الحكومية، مبادرة جاءت في وقتها ، في ظل معاناة تلاميذنا في المدارس وأهاليهم ، من البرد القارص داخل الغرف الصفية خلال ساعات الدوام الاولى، والتي تؤثر بشكل او بآخر على تركيز الطلبة وتحصيلهم العلمي، واوضاعهم الصحية، ففي منازلنا رغم استخدام التدفئة تبقى هناك نسبة برودة ، فكيف هو الحال في المدارس التي لا يوجد فيها تدفئة اصلا؟.
مشروع تدفئة المدارس الحكومية، مشروع وطني خيري فيه حس عال للمواطنة الفاعلة ،وهو بالمناسبة لا يخص وزارة التربية والتعليم وحدها، او اي جهة رسمية اخرى، بل هو مشروع يهم كل مؤسسة وبيت اردني، وكل متبرع او محسن يسعى للتقرب الى الله في عمل خيري او تبرع ، (وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الارض).
اذا اردنا ان نُنجز هذا المشروع الوطني والهام والملّح ، نحتاج الى حملة وطنية ورعاية مؤسساتية وفردية ، والاستفادة من القاعدة المعلوماتية المتوفرة لدى مبادرة «مدرستي»، بحيث ننجز هذا المشروع ضمن مواصفات عالية ، خصوصا وان تجربة استخدام الصوبات أثبتت عدم فعاليتها بالشكل المطلوب، ولاسباب كثيرة، ولا ننسى ان لدينا هذه الايام تكنولوجيا متطورة لاستخدام الطاقة المتجددة (الطاقة الشمسية) ، وقد استخدمت هذه التكنولوجيا في المساجد ونجحت في خفض فواتير الكهرباء والتدفئة وبنسب تصل الى الصفر في بعض المساجد.
لدينا مدخلات وخبرات جيدة لانجاح المشروع وانجازه في اسرع وقت ممكن، فالاحزاب السياسية المقتدرة والنقابات المهنية الاردنية مثل نقابة المعلمين ونقابة المهندسين، يمكنهما المشاركة في هذا الجهد الوطني الهام، خصوصا وان نقابة المهندسين رائدة في استخدام وتعميم تجربة الطاقة الشمسية في التدفئة وانتاج الكهرباء، كما ان نقابة المعلمين التي سيستفيد اعضاؤها المعلمون من مثل هذا المشروع ،»وهم يعانون من البرد ايضا مثل الطلبة»، ستتحسن الظروف التدريسية داخل الغرف الصفية وتزداد نسبة تركيز الطلبة والتحصيل العلمي.
من الضروري ان نبدأ من اليوم، لتحقيق مشروع تدفئة المدارس على ارض الواقع، خلال مدة زمنية نحددها نحن، اول خطوة يجب اتخاذها، الزام الشركات والمصممين الذين ينفذون مشاريع المباني المدرسية ، بتزويد المباني بتدفئة آمنة ورخيصة، كشرط اساسي لاحالة العطاءات على الشركات، وان تراقب نقابة المهندسين مثل هذه التفاصيل كالتفاصيل الاخرى، وان تراعي الشروط الصحية الآمنة للتدفئة ، بحيث لا يتضرر الطلبة منها.
معاناة الطلبة والمعلمين والاهالي لا تنتهي مع توقف هطول الثلوج، بل تبدأ بعد توقفه نظرا لتدني درجات الحرارة وحالات الانجماد والصقيع، خصوصا في المناطق المرتفعة، ولا يمكن حل هذه المشكلة من خلال تأخير الدوام ، فالاهالي يفضلون الزام ابنائهم في المنازل على ارسالهم الى المدارس «السيبيرية» ، وفي ظل تغيرات الطقس وتحولاته، سنكون على موعد في كل شتاء مع مزيد من هذه الموجات، وهو ما يتطلب حلول جذرية وعملية تنهي معاناة الطلبة والمعلمين.
لقد اثبت الاردنيون انهم على قلب رجل واحد خصوصا في الازمات والشدائد، وقد لمسنا تفاعل الجميع والتزامهم خلال الموجتين الثلجيتين السابقتين، وبالتالي القدرة على التأقلم مع تحديات الظروف الجوية غير المعهودة، وهو ما خفف من وقوع حوادث او كوارث «لا قدر الله»، هذه الحالة تؤسس لانطلاقة قوية لتلبية احتياجاتنا المتعلقة بالانسان الاردني واحتياجاته، فالتأقلم مع الظروف الجوية مهما كانت شدتها اولى اولوياتنا في المستقبل، وأرى ان تدفئة المدارس خطوة اولى على طريق استمرار الحياة ،حتى ولو واجهنا المزيد من الموجات القطبية الباردة مستقبلا..
(الرأي 2015-02-23)