انتخابات إسرائيلية لا أجندة لها

يغيب عن مشهد حملة الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية الحالية، الموضوع المركزي الذي من المفترض أن يدور حوله الجدل. فهذه ليست أول انتخابات يغيب عنها الصراع الإسرائيلي-العربي، ومجمل القضية الفلسطينية، لكنها أبرز انتخابات يغيب عنها الموضوع الداخلي المركزي، إذ هناك ما يشبه "طوشة عمومية" إن صح التعبير. وهذا يعكس أكثر حالة التخبط السياسي في الشارع الإسرائيلي، وشرذمة الخريطة السياسية، وبما يؤكد ديمومة حالة عدم الاستقرار السياسي في المرحلة المقبلة.
فحينما بادر بنيامين نتنياهو إلى حل الكنيست في نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، لم يكن ثمة سبب واضح، من طراز الأسباب التي عرفتها الساحة السياسية سابقا، يستوجب الإقدام على هذه الخطوة. ولهذا، راح محللون وسياسيون يطرحون افتراضات بشأن دوافع نتنياهو. وبعد مرور ثلاثة أشهر على هذا القرار، وقبل 17 يوما من الانتخابات، ما يزال الأمر على حاله؛ فحتى نتنياهو نفسه لم يُفسّر ذلك. وهذا المشهد برمته يوضح الفوضى العارمة في الدعاية الانتخابية؛ فلا قضية مركزية يجري الجدل حولها. وعلى الأغلب، فإن أيدي وراء الكواليس تتحرك وتُحرك الحملة الانتخابية لخدمة مصالحها.
وقيل، بداية، إن نتنياهو هرب إلى الانتخابات بافتراض أنه يريد تشريع "قانون الدولة القومية اليهودية". ولكن هذا لم يكن أمرا بهذا الإلحاح الذي يستوجب تغيير حكومة. وثبت لاحقا أن هذا الموضوع غائب كليا عن الأجندة الانتخابية لكل الأحزاب. وهذا ليس صدفة، لأن كل الأحزاب الصهيونية متفقة في ما بينها على جوهر قانون "الدولة القومية"، ولكن بنوده الأخرى تخلق خلافات حادة تتعلق بعلاقة الدين بالدولة، ومبدأ الديمقراطية الذي قد يصبح لاحقا تحت رحمة تفسيرات القوى الدينية التي ستصبح بعد بضع سنوات الغالبية المطلقة بين اليهود الإسرائيليين. ولهذا، ترى الأحزاب الصهيونية أنه من الأفضل استبعاد القانون، منعا لاستفزاز قسم من جمهور مصوتي كل واحد من هذه الأحزاب.
أيضا، فإن القضايا الاقتصادية الاجتماعية ليست مطروحة بهذه الجدية؛ بمعنى أننا لا نرى إثارة لموضوع الفقر المستفحل، طالما أن الضحية الأساس هم فلسطينيو 48 الذين تصل نسبة الفقر بينهم إلى نحو 52 %، مقابل 15 % بين اليهود ككل، و10 % بين اليهود من دون جمهور المتدينين المتزمتين، الذين يعيشون حياة تقشفية إرادية.
في المقابل، فإننا نرى سيلا من اتهامات الفساد التي بدأت ضد حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيغدور ليبرمان. ورغم ضخامتها، وفقا لما نشر قبل أكثر من شهرين، إلا أنها سكتت فجأة، لتتجه اتهامات الفساد إلى نتنياهو وزوجته. إلا أن الاتهامات ضدهما، ليست بالقدر المقنع للجمهور الإسرائيلي.
الانطباع الوارد، هو أن الشارع الإسرائيلي ليس في وراد الانتخابات، لذا هناك من يراهن على انخفاض نسبة التصويت. لكن في الأيام الـ17 المقبلة، قد تتبدل الأمور. إلا أن أي تراجع لنسبة التصويت، سيكون فقط بين الجمهور العلماني، أو الجمهور المرشح لدعم أحزاب "الوسط" و"اليسار"، لأن نسبة التصويت بين اليمين المتطرف وجمهور المستوطنين والمتدينين المتزمتين، تحافظ على حالها طيلة الوقت، ما بين 85 % إلى 92 %، مقابل 50 % إلى 55 % بين العلمانيين، وهذا ما سيعزز أكثر قوة أحزاب اليمين المتطرف في الانتخابات.
ليس هذا فحسب؛ ففي هذه الانتخابات يبرز أكثر دور حيتان المال الذين يلعبون دورا بارزا من وراء الكواليس، بداية من خلال دفق الأموال الضخمة على الأحزاب والسياسيين الذين سيخدمون المصالح الكبرى لهؤلاء الحيتان في المرحلة المقبلة، ومن ثم أخضاع وسائل الإعلام المملوكة لهم، إن كانت الصحافة المطبوعة أو الإلكترونية على مختلف أنواعها، لتلك الأحزاب.
نستطيع القول منذ الآن، إن الساحة الإسرائيلية مقبلة على مرحلة في اتجاهين، لا يغيران المضمون؛ فإما المراوحة في المكان، بمعنى حكومة يمينية متشددة ذات أغلبية هشّة، مع إضافة ليست ثابتة، أو حكومة واسعة تضم الحزبين الأكبرين. وفي كلا الحالتين، ستكون حكومة قلاقل حزبية، لن تصمد طويلا، ومن المؤكد أنها لن تستمر أربع سنوات، كما علّمت التجربة.
(الغد 2015-02-28)