الاصلاح الفكري أولاً

جذب انتباهي مقال الدكتور محمد عياش الكبيسي في جريدة السبيل يوم السبت 7/آذار/2015 بعنوان : «أريد أن أتحدث إلى الإخوان»، وربما يكون قد لامس أحد أهم جذور المشكلة التي تخص واقع الحركات الإسلامية ومآلاتها، وقد تكون الإشارة الأكثر أهمية تلك المتعلقة بانتباه بعض الروّاد الأوائل لهذه المسألة بوقت مبكر؛ مثل الهضيبي والندوي -رحمهما الله- حيث حاولا معالجة جذور التطرف والغلو الذي بدأت بواكيره نتيجة المواجهة القوية التي حدثت آنذاك بين أتباع الحركات الإسلامية والأنظمة.
العبارة المنسوبة للندوي :»أن السعي إلى الحكومة بلافتة الإسلاميين وليس بلافتة المسلمين جعل عامة المسلمين يرون أنهم في حل من ذلك» حيث أن هذا القول هو الذي يفسر خسارة الإسلاميين المتكررة في بلد مثل الباكستان، مع أن الشعب الباكستاني معروف بشدة تديّنه وغيرته على الدين.....»
من هنا يمكن تحديد المربع الأول للنقاش والحوار الجاد، والعودة إلى الجذور، حيث أن حسن البنا عندما أنشأ الجماعة كانت فكرته تقوم بجوهرها على مضمون «إحياء الأمة» من أجل أن تنخرط بمجموعها بمشروع نهضوي كبير يستمد فلسفته من الإسلام العظيم، عندما قال: «أنتم روح جديد تسري في الأمة» ولم يهدف مطلقاً ولم يخطر في باله أن ينشىء حزباً ينافس بقية الأحزاب على الحكومة أو على السلطة، ولم يكن يهدف إلى إيجاد طائفة ترى نفسها أنها فوق المجتمع من خلال احتكارها لهذا الدين، أو الشعور بالفوقية، أو العزلة الشعورية عن المجتمعات التي سهل وصفها بالجاهلية، وبعضهم ذهب إلى أن الجاهلية تعني تكفير المجتمعات العربية والإسلامية على الجملة.
أنصح بالعودة إلى مقالة الكبيسي مرة أخرى؛ لأنه يتحدث من موقع محايد بعيدا عن الإتهام بالانحياز إلى فئة ضد أخرى من فئات الخلاف على الصعيد الأردني على الأقل؛ حيث أنه من الإشقاء العراقيين، ولكن مقالته لامست في النفس ذلك المعنى الذي ينبغي العودة إليه لأنه يمثل نقطة الانطلاق في التشخيص لكثير من الأمراض والانحرافات التي أصابت مسيرة الجماعة في بعض محطاتها بكل مقوماتها الفكرية والتنظيمية والمستقبلية.
لقد أصم القائمون على أمر الجماعة آذانهم عن الحوار، أو مجرد السماع، وواصلوا اللامبالاة والاستخفاف بكل النداءات المختلفة والمتعددة، وتسلحوا بسلاح الأغلبية المتأتية من الديمقراطية المزعومة التي بدأت تظهر في الخطاب، وما زال بعضهم حتى هذه اللحظة يرى الديمقراطية كفراً بواحاً، ونسوا أن حسم المسألة الفكرية لا يتم من خلال تجنيد الأتباع من أجل عد الأصوات وهم بعيدون عن الفكرة بجوهرها ومنطلقاتها وفلسفتها ومآلاتها، ويظهر ذلك بوضوح من خلال مستوى الأدب في الحوار الذي يجري عند كل محطة خلافية.
من أكثر ما يضر الفكرة أن تصبح غطاء للمصالح، أو يتم تحويلها إلى وسيلة للوصول إلى بعض المكاسب، ويختلط الأمر ويصعب التمييز بين الحرص على الفكرة وسلامتها ونقائها من جهة، وبين الشعور بالحرص على الموقع أو المركزالقيادي أوالمصلحة الشخصية من جهة أخرى، وعند ذلك لا نجد أي تورع عن استخدام أسلحة التشهيير والاغتيال الاجتماعي.
مستوى الخطاب الذي يطفو على السطح يؤدي إلى تولد شعور هائل بالخوف والرعب لدى العامة، من قدوم أمثال هؤلاء إلى مواقع السلطة، وزحفهم إلى مراكز القرار، وامتلاكهم القدرة على إيقاع العقوبة بالخصوم، خاصة عندما يتم تغليف ذلك بالدين والنصوص المقدسة، فنجد أنفسنا أمام حالة مرعبة تسهل على المراقب فهم ما تقوم به بعض المجموعات المنتسبة للدين، وتجعلهم يفهمون الأرضية التي نشأ عليها مثل هذه الظواهر التي تفتقر إلى روح الدعوة، وتفتقر إلى الفهم الصحيح للدين، وتجهل مقاصد حركات النهوض والإحياء الأصيلة، فضلاً عن العجز المتراكم وعدم القدرة على إدراك المتغيرات الهائلة التي طرأت على المشهد الإقليمي والعالمي.
(الدستور 2015-03-08)