المدائن عربية وكذلك الاسكندرون

المدائن، عربية، وفي اكنافها شيدت وقامت بغداد، عاصمة العرب طيلة العهد العباسي… ومن يفرط بشبر واحد من هذه المدينة وعروبتها، لا علاقة له بالعرب والعروبة..
هذا قول فصل لا نقاش حوله ولا خلاف عليه..
بعد ذلك، نسأل الذين راحوا يتحدثون عن المناذرة والبويهيين في استدعاءات تاريخية واشارات لايران والتشيع، ماذا عن نينوى وعن الموصل والاسكندرون السوري وعن السلاجقة والعثمانيين وقرون الظلام التي ارتبطت بهم.
لماذا يصمتون كلما تعلق الأمر بالخطر التركي، بل وبالخطر الصهيوني (عند بعضهم) وكأن فلسطين هي ما تبقى لنا من بقايا الضفة الغربية ولا علاقة لنا بالساحل الفلسطيني..
في التاريخ، امتدت خيول الفريثيين والعيلاميين والساسانيين الى كل الشرق العربي، كما امتدت خيولنا الى اقصى بلاد فارس ايضا، وليس لنا ان نقول ان طهران او اصفهان عربية، كما ليس لأحد في ايران ان يقول ان مدائن بغداد ايرانية..
وفي التاريخ ايضا، امتدت خيول الاتراك من السلاجقة والعثمانيين الى كل البلدان العربية ولاتزال تحتل كليكيا والاسكندرون ولم تطأ خيلنا شبرا تركيا واحدا.
هكذا ومقابل المناذرة والبويهيين وهواهم الايراني، كان الغساسنة وكان السلاجقة وهواهم التركي، ولا تزال الموصل وحلب في قلب الخرائط التركية في المركز الجغرافي التركي..
نعم لصحوة عربية شاملة تتلمس الذاكرة والهُوية القومية ولا تتخلى او تفرط بشبر عربي واحد من اقصى حدود العراق شمالا ولا شرقا الى اقصى حدود الشام شمالا وجنوبا، ومن الشرق العربي الى اقصى شمال افريقيا العربي.
نعم لصحوة عربية شاملة لا تبدل احتلالا باحتلال وترفع الصوت عاليا ضد ما كانت عليه دولة المناذرة والبويهيين، وتصمت بصورة مخزية مريبة مشبوهة كريهة عما كانت عليه دولة الغساسنة والسلاجقة وعما هي عليه فلسطين اليوم وساحلها تحت الاحتلال الصهيوني.
من يرد أن يذكر ايران بعروبة المدائن، عليه أن لا يغفل للحظة واحدة عن الخرائط العثمانية للموصل وحلب ولا عن خرائط اليهودية العالمية وتحالفاتها العلنية والسرية ليس مع الذين وقعوا اتفاقيات علنية مع العدو، وحسب، بل ومع الذين ينسقون معه سرا بذريعة الخطر الايراني..
ومن قبل ومن بعد، ومع تأكيد دائما مكانة الاسلام ورسالته ودوره الحضاري في التاريخ العالمي، فإن الغيرة على المدائن تستدعي كذلك الانتباه الى ان التاريخ القومي والحضاري العربي سابق على الاسلام بمئات السنين.
ولا تزال اثاره ومساهماته من الحضارة الاشورية والبابلية والسومرية، الى الحضارة الفرعونية، واليمنية الى الحضارة الشامية، من الابجدية الى البتراء، شواهد شامخة وعظيمة على هذا التاريخ، بل ان هذه الشواهد بالذات هي التي تميز مساهمات العرب عن غيرهم من الشعوب والأمم (مثل الفرس) التي دخلت الاسلام وتركت بصمات واضحة في حضارته.
ولا يعني ذلك التسليم بالنظرة الاستشراقية التي تتعامل مع حضارة الشرق بعد الاسلام بوصفها حضارة فارسية، وتقلل على نحو مريب ومزيف من دور العرب والاتراك (بدو الجبال) في هذه الحضارة.
(العرب اليوم 2015-03-12)