مستقبل وشرعية "الإخوان المسلمين" في الأردن

ليس سراً أن ترخيص "جماعة الإخوان المسلمين" في الأردن من رئاسة الوزراء كان حالة استثنائية تعبر عن مرحلة سياسية من التحالف بين الإخوان والحكم.
وليس سراً أن نقول إنه منذ عودة الحياة البرلمانية في العام 1989 فإن لدى بعض الأحزاب السياسية وحتى في أواسط النخب وصناع القرار كان ثمة تساؤل الى متى تظل جماعة "الإخوان المسلمين" فوق القانون تتمتع باستثناء عن القاعدة والعموم، فإن كان لديها حزب سياسي "جبهة العمل الإسلامي" ولد بعد تأسيس قانون الأحزاب عام 1992، فلماذا تظل تمارس العمل السياسي تحت هذه المظلة، ولماذا يغض النظر عن امتدادها الدولي وعلاقاتها الإقليمية، وهل القصة مرتبطة بالتوازن وإبقاء "شعرة معاوية" مع السلطة، وحتى حين تأزمت العلاقة خلال حكومة عبد الرؤوف الروابدة ونتج عنها إغلاق مكاتب حماس وإبعاد قادتها فإن الحكومة وأجهزتها ظلت حريصة على أن لا تذهب أبعد من هذه الحدود؟!
وكان من الأسئلة التي تثار لماذا بعد أن أصبح للاخوان المسلمين مظلة وحزب سياسي، لا تعود الجماعة إلى خندق العمل "الجمعياتي" الخيري، فيعاد ترسيم دورها في إطار وزارة التنمية الاجتماعية مثلاً، ولا تظل مؤسسة تأخذ شرعيتها من مركز قانوني أعلى من المراكز القانونية التي تتمتع بها الجمعيات الأخرى وحتى كل القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني.
هذه الأسئلة وهذه النقاشات كانت موجودة ولا يجوز إنكارها، وهي سابقة على خلافات الإخوان المسلمين الأخيرة، وقرار مجموعة من رموز الإخوان التقدم بطلب ترخيص جديد لجماعة الإخوان المسلمين، ولكن قيادتها لم تهتم لهذا الجدل ولم تعطه وزناً لأن بيتها الداخلي كان محصناً، فهي كانت قادرة على احتواء كل المناوشات والانشقاقات، والأهم أن الظرف الإقليمي والدولي لم يكن يستهدفها، والحكم كان قادراً على توظيفها، واحتوائها، وتقليم أظافرها إن لزم الأمر.
جاء الربيع العربي فتقدم الإخوان المسلمون الصفوف في كثير من الدول أبرزها تونس، ومصر، واليمن، وليبيا، فتعززت نشوتهم في الأردن بالنصر واستعادة مواقعهم بعد عزلة سنوات، ودخلوا بقوة على خط التغيير وتحركوا لقيادة الحراك الشعبي، ورفعوا سقف المطالب في الإصلاح، وبدء الحديث عن الملكية الدستورية، وحدث في صفوف قواعدهم تجاوز لسقف الهتافات خلال المظاهرات والمسيرات الاحتجاجية، وكانوا احياناً يلوذون بالصمت حيالها، وأحياناً يضطرون للتبرؤ منها، وكانوا يريدون الثمن وقطف ثمار الربيع العربي لصالحهم، ولكنهم لم يعودوا يقبلون بشعار "أقلية مؤثرة" وتحول بعضهم من شعار المشاركة الى شعار "المغالبة"، وتعنتوا "وصعدوا للشجرة ولم ينزلوا عنها"، وهذا لا يعني أبداً أنهم الطرف الوحيد المسؤول عن الأزمة، فالحكومات كانت أيضاً مشوشة، تريد التغيير ولا تريده في ذات الوقت، تعدل الدستور ولا تلتزم بأحكامه، تتحدث عن الحريات وتضيق الخناق على النشطاء.
مضى الربيع العربي أسرع مما توقع قادة الإخوان المسلمين في الأردن، وكانت الضربة القاضية عزل الرئيس المصري محمد مرسي، ولم ينتبهوا إلى العاصفة التي تأخذ في طريقها كل تيار الإسلام السياسي، ولم يقدموا التنازلات المؤلمة مثلما فعلت حركة النهضة بذكاء شديد، بل العكس ظلت غالبية القيادة وصوت عال في قواعدهم يتحدث بلغة لا تقرأ التغيير، ولم تحنِ رأسها للعاصفة، بل ذهبوا الى "حرب تصفيات" داخلية لمعارضيهم داخل التنظيم، دون أن يلتفتوا أن العالم من حولهم قد تبدل، وأن كثيراً من الحاضنات والداعمين لهم قد انتقلوا الى الضد، وأنهم أصبحوا بنظر بعض دول الإقليم حركة إرهابية، لم يدققوا في هذا المشهد الجديد، ولم يدركوا أن التضحية بهم لم تصبح مكلفة كثيراً في ظل حرب شعواء ضد "الإرهاب"، وأن هناك من يرى بأن الإخوان المسلمين "تفرخ" أيضاً إرهابيين مهما تمتعت بمرونة واعتدال سياسي.
في ظل هذه التحولات كان تحرك رموز من قيادات الإخوان المسلمين التاريخيين بطلب ترخيص جديد للجماعة تحت ذرائع ومبررات مختلفة وسواء اتفقنا معها أو اختلفنا؛ فالضربة كانت الأكثر إيلاماً، ورصاصة "الرحمة" لم تكن حكومية بل من رفاقهم، وما يترتب من نتائج وسيناريوهات فمن صناعة الإخوان أنفسهم، ولا يد للحكومة، حتى إن كانت هناك قناعة
100 %، أن تستفيد وتوظف الخلاف وتستخدمه لمصلحتها. الآن بات السؤال عمّن هي جماعة الإخوان المسلمين الشرعية سؤالاً قانونياً وشرعياً؟!
الحكومة لا تستعجل الحسم، ولا تريد أن تظهر بأنها اللاعب الذي يحرك خيوط اللعبة، ولكن الحل والمصالحة بالتأكيد إن حدثت، فستكون على حساب قيادة "همام سعيد"، وأنه بدون التوافق فإن الاخوان المسلمين الجدد سيرثون مقاليد السلطة وكل موجودات الجماعة وأصولها المالية. وهذا هو الأهم والأخطر!
(الغد 2015-03-15)