جنازة الضاري.. الدلالة والمعنى

في الرواية الشفوية لتاريخ العراق المعاصر أن نائب الحاكم العام الانجليزي في العشرينيات بالعراق قام بتوجيه كلام إلى الشيخ ضاري بن ظاهر بن محمود الزوبعي الشمري الطائي، جد الشيخ الراحل حارث بن سلمان الضاري،وكان الكلام فيه قسوة، فماكان من سلمان والد المرحوم الشيخ حارث إلا وأن استل سيفه وضرب النائب الانجلزي بعنقه، وحكم عليه غيابيا وظل مطارداً حتى عاد بانتهاء الاحتلال، وكانت العائلة ذات الأصول الشمرية قد شكلت قيادة متقدمة في الحركة الوطنية العراقية إبان الانتداب البريطاني.
بعد احتلال العراق عام 2003 اختار الشيخ الراحل حارث الضاري ممانعة الحكم الجديد ومعارضته، والجهاد ضده، وكان في مسيرته يتوج مسيرة أجداده من العراقيين الأبطال في رفض هيمنة الغرب والفرس معاً، وهي هيمنة تحيل العراق العربي اليوم إلى عراقٍ عجمي بامتياز.
صنف الحكم العراقي الجديد الشيخ الراحل بالإرهابي وكان حتى وفاته مطلوباً إليه؛ لأنه كان صوت السنة وصوت العراق العربي الوطني الرافض للاحتلال، فهو الذي كان يعرف معنى أن تكون بغداد ناطقة باسم الحرس الثوري الإيراني وحكم بريمر والغرب، وهو الذي فطر قلبه تقسيم العراق واستباحته اليوم من كل الناهبين والمرتزقة.
ظل الراحل في حالة الرفض لأي تسوية، ولو كان ممن يجلبون للسفارات أو قُم حيث المرجعية الفارسية، لنال ما يريد وأعطي ما يريد، لكنه ظل سامقاً أبياً على الانكسار لأنه يشبه نخل العراق الأصيل في تربة العروبة والإسلام، فأبى التسوية وركز على جهود المقاومة والإغاثة لكل المتضررين من هيمنة الفرس وأعوانهم على العراق.
بقيت عائلة الضاري في صدارة قبيلة زوبع العربية المتفرعة عن قبيلة شمر المعروفة، وظلت على التزامها الوطني وغيرتها على العراق، وكان لافتاً في مشهد الجنازة التي شيعت الشيخ الضاري أول أمس في عمان الوزن الذي يمثله المرحوم الشيخ حارث، وقيمته بين من عرفوه ومن عرفوا عائلته ونهجها الوطني الغيور على العراق والعروبة.
ولأجل عروبة العراق، دعا -رحمه الله- لمناهضة الحكم في العراق وبخاصة إبان وزارة نوري المالكي. وتوج معارضته بدعوته في نيسان/ أبريل 2012 الشعب العراقي إلى القيام بثورة شعبية سلمية ضد حكومة المالكي، وبهذا كان السبب المباشر في تقويض حكم نوري المالكي وعصابته، وقد سجلت حركات الاحتجاج السلمي في ساحات أهل السنة أثرها الكبير آنذاك.
كان الشيخ صوتاً للسنة وهيئة علماء العراق العربي المسلم، كريماً صفوحاً، مضيافاً، يصدق به قول الشاعر العربي وسيد الكرام حاتم الطائي:
و إني لعبد الضيف ما دام ثاوياً
و ما فيّ إلا تلك من شيمة العبد
مات الشيخ حارث الضاري ميتة الكرام، وميتة الغيورين وميتة الشرفاء، وليس لنا إلا أن نقول ما قاله ابو تمام:
عليـك سـلام الله وقفـاً فإنـنـي
رأيتُ الكريم الحُرّ ليس لـه عمـرُ
فإلى جنات الخلد يا أبا مثنى، وسيقوم العراق ذات نهار، وسيكون وجهك مقمرا مشعا، وسيعود يوماً إلى عروبته مهما استطال عليه أوباش الفرس.
(الدستور 2015-03-15)