الفجوة المعرفية الحيوية والطبيعية بين البادية والريف والمدينة

في البادية والريف، يعايش الإنسان، منذ نعومة أظفاره وبداية وعيه، العمليات (Processes) والتحولات التي تنجم عنها؛ الجارية أو المتدفقة من حوله في كل يوم وفصل وسنة، في الحيوان والنبات والجماد. في البادية والريف، يلاحظ الطفل حمل البقرة أو النعجة، وولادتها، ونمو العجل أو الخروف المولود، وتحوله إلى ثور أو كبش... وكيف تخرج الأعشاب من الأرض وتتحول إلى دم ولحم أو حليب أو ألبان.
في الريف، يلاحظ الطفل كيف تصبح البذرة، بالمطر أو الري، نباتاً أو شجرة بمرور الوقت، وكيف يتحول "النُوار" فيها إلى ثمر. وكيف تتحول حبة القمح، مثلاً، بالمطر أو الري وبالوقت إلى عشبة طويلة خضراء كثيرة الحب، وكيف تجف وتحصد وتدرس وتطحن، ثم تعجن وتتحول إلى خبز. كما يلاحظ طفلا البادية والريف التحولات (التعرية) التي تصيب الجماد (الصخور والتراب...)، بتأثير الشمس والرياح والأمطار والأنهار.
إن كل شيء في البادية والريف؛ سواء كان نباتاً أم حيواناً أم جماداً، يمر عبر عملية تتداخل فيها المواد والمراحل والفصول، وتتكامل. ولذلك، يكتسب الطفل في البادية والريف مهارة الملاحظة وفضيلة الصبر، ويظل شديد الصلة بعمليات البيئة والطبيعة. أما الطفل في المدينة، فليس لديه مثل هذه الفرصة لملاحظة هذه العمليات أو المرور بها واكتساب فضائلها، لأنه مقطوع الصلة بالطبيعة في البيت والمدرسة. نعم، ربما يتعرف على العملية فيما بعد، عندما يعمل في مصنع أو مزرعة. لكن كل شيء يحصل عليه قبل ذلك يكون جاهزاً أو فورياً. إنه لا يرى مقدماته أو عملياته، وبالتالي لا يعرفها كما يعرفها الطفل في البادية والريف.
وكلما ازداد تمدين المدينة، ضعفت صلتها بالطبيعة وتلاشت. فالبيضة لابن المدينة لا تأتي من الدجاجة، وإنما من الدكان؛ كما قال أحد الأطفال الأميركيين عندما سئل من أين تأتي. والخبز من الفرن، وليس من القمح... وهكذا. وللأسف، صار يحدث الأمر نفسه اليوم في البادية والريف، باجتياح التمدين لهما. فرياض الأطفال والمدارس في البادية والريف نسخة طبق الأصل عن تلك في المدينة، وكذلك معظم جوانب الحياة.
يقولون لك اليوم إنك تستطيع بالإنترنت أن "تعرف" كل نبات أو حيوان أو جماد بكبسة زر أو لمسة إصبع. لكن ذلك يزيد الفهم صعوبة، لأن ما نراه على الشاشة ليس النبات أو الحيوان أو الجماد نفسه، بل صورة له من بين آلاف الصور الممكنة التي يمكن أن تكون له. كما أن ما تراه خاليا من أثر أو تأثير بقية الحواس أو نوافذ الإدراك، فلا نعرفه. إن الاعتماد التام على الإنترنت في التعلّم يقطع الصلة بالواقع، لأن الصورة الافتراضية لا تسد مسده أبداً، وبذلك أو لذلك يبقى الطفل "الإنترنتي" معلقاً في الفضاء، ومعرفته زائفة.
إن للنشأة في البادية أو الريف أو المدينة تأثيراً على التعلم والمهنة والقيم. فأبناء الريف والبادية يتفوقون (أو كانوا يتفوقون)، عادة، في المدرسة والجامعة على أبناء المدن بالكدح والجهد والمثابرة والصبر، الناجمة عن العيش والكدح وسط العمليات. لكن ابن البادية والريف يبدو لأهل المدينة (الأصليين) خشناً وجاهلاً بالأصول و"الإتيكيت" وقيمة الوقت، فيما يبدو ابن المدينة في البادية والريف ناعماً ومتكبراً وجاهلاً بمهارات أهلهما الإنتاجية والحياتية. ولكن الفروق بين البادية والريف والمدينة تختفي بسرعة، بتمدين البادية والقرية من دون قرينة المدينة.
المطلوب في ضوء ذلك، أن يتم التعليم والتعلم بالعملية (Process)، وهو ما عبر عنه أحد المربين بقوله: "التعليم ليس هو الهدف، بل هو العملية" (Learning is not the goal.. Learning is the Process)؛ أو بالبحث العلمي المستمد أصلاً من العملية، أي بالوصل الواعي بين التعليم في مراحله وأنواعه كافة، والبيئة والطبيعة والمواد والمراحل، لأنه من دون ذلك لن يأتي تحد لاكتشاف أو اختراع أو قدرة على الفهم والنمو والتطور والإدارة. فيجب على المدرسة والجامعة ردم الهوة بين الفضاء التخيلي أو العالم الافتراضي، وعالم الواقع، بحيث ينطلق المعلم والمتعلم منه إلى العالم الافتراضي أي من عالم الواقع وليس العكس.
تلكم مجرد تنبيهات وإشارات وأفكار أولية عن إحدى جوانب العيش في البادية والريف والمدينة.
(الغد 2015-03-16)