27 عاما من دون استقرار سياسي

تجري الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية اليوم ، بعد مرور 26 شهرا على الانتخابات السابقة، وهي الانتخابات البرلمانية العشرون. وحسب القانون فإن الانتخابات البرلمانية تجري مرّة كل أربع سنوات، في أسبوع محدد وفق التقويم العبري، يقع في التقويم الميلادي بين نهاية تشرين الأول (أكتوبر) وحتى مطلع الشهر الذي يليه. وإذا ما جرت انتخابات مبكرة بغير موعدها، فإن الانتخابات التالية عليها أن تجري بعد أربع سنوات، وتضاف اليها الأشهر الزائدة، حتى الوصول إلى التاريخ العبري ، بمعنى أن الانتخابات القادمة يجب أن تجري، حسب القانون، بعد 55 شهرا.
إلا أنه خلال 67 عاما، و20 انتخابات برلمانية، لم تجر الانتخابات في موعدها إلا في خمس مرات، وكانت آخر انتخابات كهذه في مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1988. وبلغ معدّل الدورات البرلمانية، بعد انتخابات العام 1996 وحتى اليوم، 37 شهرا.
فمنذ العام 1992 وحتى الآن، أي خلال 23 عاما، تكون إسرائيل قد خاضت 9 انتخابات عامة، إحداها لرئاسة الوزراء فقط، في العام 2001. وهذا بحد ذاته تعبير عن عمق الأزمة السياسية التي تواجهها إسرائيل في العقود الثلاثة الأخيرة، بشكل خاص، على خلفية التجاذبات السياسية وتبدلاتها، منها ما كان يدور حتى سنوات مضت، حول اختلاف الرؤى لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ومنها كما هو حال المرحلة الأخيرة، خلافات حول رؤى مستقبل الكيان الإسرائيلي.
ازاء ما يجري هناك قلق متزايد بين الجمهور العلماني، من الارتفاع الحاد في نسبة المتدينين، إن كان المتدينين المتزمتين "الحريديم"، أو المتدينين من التيار الديني الصهيوني، فهم يجرّون الجمهور الإسرائيلي إلى انغلاق واخضاع لإكراه ديني أكثر مما هو قائم. وهذه القضية بالذات، كانت السبب الخفي للخلاف حول قانون "دولة القومية اليهودية"، إذ أراد المتدينون الصهاينة، ومعهم اليمين المتطرف، اعطاء دور أكبر للشريعة اليهودية في سن القوانين ومرجعية القضاء.
لا تعترف إسرائيل الرسمية وأحزابها بجوهر الأزمات التي تضرب كيانها، ولهذا نجدها تهرب إلى وسائل مصطنعة للجم مظاهرة الانتخابات المبكرة. فتوجهت ابتداء من انتخابات العام 1996، إلى انتخاب مباشر لرئيس الوزراء، بزعم أنه بذلك لن يكون تحت ابتزاز الأحزاب لدى تشكيل الحكومات، فزاد الابتزاز، وتدهورت قوة الحزبين الكبيرين، "العمل" و"الليكود"، وتعمقت أزمة نظام الحكم، ما أجبر الكنيست على الغاء هذا النظام بعد ثلاث انتخابات لرئاسة الوزراء، في العام 2002.
وتُطرح على جدول أعمال الكنيست، بعد كل انتخابات، سلسلة من اقتراحات تغيير أنظمة الانتخابات، حتى تغيير شكل النظام لجعله جمهوريا، ولكن ما يمنع اقرارها ليس فقط عدم الاتفاق حولها، وإنما تعقيدات المجتمع الإسرائيلي، بصفته جمهور مهاجرين، وكل مجموعة تبحث عن تمثيل نفسها.
وفي الدورة المنتهية، جرى تغيير بعض الأنظمة، وأولها رفع نسبة الحسم، بهدف استهداف فلسطينيي 48 ومنع أو تقليص تمثيلهم البرلماني. كما جرى تغيير أنظمة حجب الثقة عن الحكومة، وباتت أنظمة تفتقد لأي منطق، فحسب القانون الجديد، فإن حجب الثقة عن الحكومة يستوجب أغلبية 65 نائبا، وبعد حجب الثقة سيكون على المعارضين تشكيل حكومة بديلة لا يقل نواب الائتلاف فيها عن 65 نائبا، وإلا فإن الحكومة منزوعة الثقة تبقى تعمل كاملة الصلاحيات، وليس كحكومة مؤقتة.
ولم يكن عدد 65 نائبا صدفة، لأن القصد منه 65 نائبا مقابل 55 نائبا، والفارق 10 كان معدّل تمثيل نواب فلسطينيي 48، الذين لا يشاركون في أي حكومة، ولكنهم يحجبون الثقة عن كل حكومة إسرائيلية. والقصد من التعديل، أنه حتى لو جرى اسقاط حكومة بأغلبية النواب العرب، فإن حكومة الأقلية ستواصل عملها بكامل الصلاحيات.
(الغد 2015-03-17)