"الأرض بتتكلم فارسي"

أفسح ضعف النظام العربي المجال لإيران للتمدد في الأقليم، وخصوصاً في العراق الذي تركه العرب لقمة سائغة للمشروع الأميركي في المنطقة، بعد احتلال بغداد والإطاحة بنظام الرئيس العراق صدام حسين. وتم التحالف مع إيران، كعادة سياسة واشنطن التاريخية؛ إذ تتحالف مع الطرف الأقوى والأكثر حضوراً على الأرض.
وكانت طهران تعي حقيقة الضعف العربي، وأنها ستكون الطرف الوحيد لإتمام صفقة التوريث من الولايات المتحدة، حيث سلمتها مقاليد حكم العراق عبر مليشيات وحكومات تدين بالولاء للعمائم والملالي في إيران، عبر ما يعرف بدستور "بريمر". هذا المعبر المهم في الشرق الذي وضعت إيران يدها عليه، أفسح المجال للتمدد عبر سورية ولبنان واليمن وفلسطين، في حين بقيت كتلة النظام العربي تشاهد عن بعد هذا التمدد، من دون أن ترد عليه بإعادة النظر في مستقبل النظام العربي الذي باتت ملامح اندثاره واضحة للعيان في كل مفاصله.
فكان الرد سخيفاً ومبتذلا، عندما تم تأجيج الصراع الطائفي، وزج مجموعات متطرفة دينياً في العراق، على شاكلة "القاعدة" وأخواتها، لخوض حرب بالإنابة عن هذه الكتلة (النظام العربي)، وكانت النتائج عكسية، فعادت قوافل "التكفيريين" تنهش في لحم هذه الدول.
وإيران في حركتها السياسية نجحت، هي الأخرى، في تعزيز الخطاب المذهبي والديني، ليخدم مشروعها في المنطقة، ويعطيها القوة في مواجهة الغرب بشأن مشروعها النووي. وحقيقة الأمر أن الخطاب الديني الطائفي نجحت إيران في تسويقه، وتصدير الثورة الإسلامية التي كان يطمح إليها "الخميني". ولم يكن الدين سوى أداة سياسية وظفها الإيرانيون لخدمة مصالحهم. وبقيت العمائم تحرك المشهد السياسي في إيران والمنطقة، وحقيقة الأمر أن الرؤوس التي تحتها تعي تماماً أن الدين مجرد غطاء للمشروع السياسي الذي قطفت ثماره طهران في العراق واليمن وسورية ولبنان، والحبل على الجرار.
التصريحات التي نُسِبت إلى علي يونسي، مستشار الرئيس الإيراني، والتي ذُكر فيها قوله إن "إيران اليوم أصبحت إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ، وبأن عاصمتها بغداد، والعراق ليس جزءاً من ثقافتنا فحسب، بل هو جزء من هويتنا"؛ أثارت ضجة واسعة، وتعرضت للكثير من الانتقادات العربية والعالمية، بسبب نزعتها الاستعمارية والاستعلائية. ونُقلَ عن نواب إيرانيين مطالبتهم بإقالة يونسي لأن كلامه يضر بالمصالح الوطنية الإيرانية، ويعبر عن سياسات حكومتهم الخاطئة. وقالت وكالة "إيسنا" للطلبة الإيرانيين إن هذه التصريحات غير صحيحة، لكن أصحاب القرار هناك كان لهم رأي آخر، إذ فضلوا الانتظار حتى تكبر كرة الثلج، واختاروا ذلك من بعيد، عبر سفارتهم في بيروت، ومن دون أن يعاد نشر النص الأصلي للتصريحات التي اتُهِم ناقلوها بتحريفها.
فالمسؤولون الإيرانيون يدلون بتصريحات لا تبتعد كثيراً عمّا نُسب إلى يونسي. وإذا ما جرت مراكمتها، تظهر الصورة جلية: إيران -التي على بوابة الخليج العربي- صارت على مضيق باب المندب وشواطئ البحر الأبيض المتوسط، كما أكد قبل أيام أمين المجلس القومي الإيراني علي شمخاني!
(الغد 2015-03-18)