ساعتان وأكثر في فنزويلا

لا تشعر أنك غريب وأنت تقف على الأرض الفنزويلية بعد أن يرحب بك السفير الفنزويلي في عمّان، الرسام والروائي والشاعر فاستو بورهي (ابو فريد) ونائبه من الاصول العربية حسام العيسمي الذي هاجر جده الى فنزويلا قبل نحو 100 عام. ويقول لك "مرحبا بِكَ في فنزويلا". فحسب الاعراف الدولية فنحن نجلس الآن على ارض فنزويلية في عمّان.
حميمية تلتقطها منذ اللحظة الاولى، بعد ان يستمع السفير الى كلمات التضامن مع فنزويلا ضد الحملة الاميركية، من قبل ضيوف السفير رئيس رابطة الكتاب الاردنيين الزميل الدكتور موفق محادين، والزميل القانوني ذي الميول لاميركا اللاتينية يحيى شقير، والشاعر والزميل موسى الحوامدة، مدير القسم الثقافي في الزميلة الدستور، وكاتب السطور.
تستمع من فاستو الذي يحب مناداته بكنية أبي فريد، لاعجابه بالتاريخ العربي، الى شرح متوازن حول الازمة الاميركية مع بلاده فنزويلا، ويربط الاحداث الاخيرة بمسيرة تاريخية طويلة، بدأت منذ اكثر من احتلال تعرضت له فنزويلا، الى لحظة اكتشاف النفط ــ حيث تعتبر فنزويلا الآن من اكثر دول العالم تصديرا له ــ وهي من بين البلدان الأكثر تحضرا في اميركا اللاتينية، وتلعب الآن دورا محوريا في استقلالية هذه الدول.
مثلما كان النفط نقمة ونعمة على العالم العربي، كان أيضا على فنزويلا، هكذا يرى السفير وضيوفه، حيث توسعت النظرة الاستعمارية نحو هذه الدولة التي تقع على الساحل الشمالي لاميركا الجنوبية، ويقدر عدد سكانها بنحو 30 مليون.
لا تستمع الى خطابات سياسية خشبية مثلما يفعل السياسيون العرب، والدبلوماسيون الذين يحفظون السياسة والمواقف حفظا، بل تستمع الى سلاسة في الكلمات السياسية تخرج بشاعرية فنان، فتصيبك الغيرة، لماذا لا تلجأ دولنا الى الاعتماد على السياسي المثقف والفنان، بدلا من السياسيين المحسوبين فقط على السيستم، ومن كتبة التقارير.
تفتخر فنزويلا بأنها تقف مع قضايا الشعوب في العالم، العربية منها تحديدا، وتعرف ان هذه المواقف سوف تنعكس عليها من قبل الدول الاستعمارية، فعندما يحدثك ابو فريد عن قرار الحكومة الفنزويلية بتخصيص الف منحة في كليات الطب في فنزويلا للطلبة الفلسطينيين، تشعر انه يتحدث عن الدور الانساني الذي تقوم به فنزويلا من دون النظر إلى الفوائد التي سوف تعود عليها، وعندما يحدثك عن مواقف الزعيم الفنزويلي الراحل شافيز، وزياراته الى العراق والدول التي تتعرض لمؤامرات غربية، تعرف ان هذه المواقف لا تبحث عن اي تكسّب سياسي او شعبوي.
منذ اشهر، واخبار فنزويلا تطفو على سطح الاحداث العالمية، خاصة بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قادها متعاونون مع الولايات المتحدة الاميركية، على اثر اعلان حكام واشنطن أن فنزويلا تشكل خطرا، ليرد عليهم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بان الانتخابات التشريعية ستتم في موعدها قبل نهاية العام الحالي حتى في حالة سقوط أمطار ورعد وبرق، وأن أبناء تشافيز "الرئيس السابق" سيحققون فوزا كاسحا.
في الدول التي ترتفع فيها قيم المواطنة يوجد اكثر من وزير أصوله عربية في حكوماتها، ففي حكومة فنزويلا الحالية أكثر من وزير من اصول عربية، كما يوجد في سلكها الدبلوماسي فنزوليون عرب، بعد ان قرر شافيز ان يكون هناك دبلوماسي رفيع المستوى من اصول عربية في السفارات الفنزويلية في العالم العربي، يتحدث العربية بمشاعر وبطلاقة.
لا تحتاج فنزويلا من اصدقائها في العالم هذه الايام سوى مواقف شعبية متضامنة مع الخط السياسي الذي تنتهجه فنزويلا، غير الراضية عنه اميركا والدول الغربية، وهذا أقل ما تقدمه الشعوب العربية، لدولة طردت سفير اسرائيل في اللحظة التي بدأ فيها الهجوم الاسرائيلي الاخير على قطاع غزة.
(العرب اليوم 2015-03-19)