الكرامة والمواطنة

أن ترفع رأسك يعني المواطنة الكريمة، وليس تسويق ذلك في حملات دعائية ويافطات. فالاستجابة الحقيقية للدعوة الملكية "ارفع رأسك"، تعني منظومة من الاتجاهات الحكومية والمجتمعية والاقتصادية؛ أن تنشئ الحكومة بيئة من الأعمال والخدمات تجعل المواطن كريما ومشاركا في السياسة العامة وفي الولاية على الموارد العامة وإدارتها وإنفاقها، وأن تؤدي الشركات والأسواق عملها في تزويد "المواطن المستهلك" بالسلع والخدمات بالجودة والمواصفات التي يستحقها، وتكافئ ما يدفع ثمنا لها، كما أن تلتزم هذه الشركات بقوانين العمل والمواطنة التي تجعل العامل لديها والمواطن المستهلك حرا كريما، لا يتعرض للاستغلال والإذعان والنصب والاحتيال. وكذلك أن تنشئ المجتمعات كيانات حول المدن والأمكنة، تجعلها شريكا كفؤا مع الحكومة والأسواق، وتمكنها من حماية المواطن من الدولة ومن السوق!
لقد سمعنا خطاب جلالة الملك، ولا نحتاج إلى تكراره. ما يفرح المواطنين هو مبادرات اجتماعية تجعل المواطن مرفوع الرأس، وتمثل استجابة حقيقية وفعلية لدعوة الملك؛ أن يجد المواطن في مدينته حماية من التسلط والاحتكار والغش والنصب والاحتيال، وأن يستطيع المظلوم الشكوى والانتصاف من الظالم، وأن يكون الوزراء والسفراء والمديرون والأمناء العامون يرفعون الرأس!
يرفع رأس المواطن أن يكون قادرا على التنافس العادل على الفرص والوظائف والعطاءات والتوريدات، وأن يحاسب كل مقصر، وأن يكون الشارع والرصيف الذي يسير فيه يصلح للبشر، وأن يستطيع المعوقون وكبار السن والمرضى استخدام المرافق العامة والمواصلات، وأن يكون الفضاء العام في المدينة متاحا لساكنيها وليس موضع اعتداء من المتسلطين والعقاريين المتحالفين مع النفوذ والترهل، وأن يكون المواطن يملك المعلومة والمعرفة التي تؤهله للمشاركة الصحيحة.
حين يذهب المواطن إلى عيادة عامة أو خاصة، أو يراجع دائرة حكومية، أو يرسل ابنه إلى المدرسة الحكومية، يمكن الملاحظة والتقدير إن كانت هذه المؤسسات العامة والخاصة قد استجابت لدعوة الملك للمواطن أن يرفع رأسه، وكيف يرفع رأسه إن كان يتعرض للتمييز والإهانة وسوء الخدمة؟
المواطن الفرد مسؤول أيضا، ويجب أن يقرر في الانتخابات النيابية والبلدية والنقابية إن كان مرشحه الذي انتخبه يرفع الرأس، وإن كانت المجالس النيابية والبلدية والنقابات المهنية والعمالية ترفع رأس المواطن أم تخفضه! والمواطن الفرد مسؤول أيضا عن وعي ذاته، وأن يعبر عن وعيه هذا وإدراكه في بيته الذي يسكنه وأثاثه ولباسه وطعامه، كما في الشعر والموسيقى والفنون والرواية والقصة والمسرح، فوعي المواطن لرأسه المرفوع ليس يافطة تلوث البيئة وتهدر الموارد، ولكنها أغنية جميلة وليست فزعة مزعجة، وموسيقى ترقى بالروح والنفس، وشعر وقصة ولوحة فنية تستمد جمالها وشمولها من جمال الوطن، ورؤية المواطن لنفسه وللعالم!
رؤوسنا مرفوعة بمشاركتنا في العالم، وأن يتقبلنا العالم أيضا!
(الغد 2015-03-19)