الحاجة أم حمزة

تقترب الحاجة «أم حمزة» من عتبة الثمانين، وهي تطل على حقبة تاريخية مليئة بالأحداث والتغيرات الجسام التي أحدثت تأثيراً في ملامح الأردن والمنطقة، وتحمل سجلاً تاريخياً غنيّاً بالتفاصيل الكثيرة على المستوى الشخصي والعائلي وعلى مستوى المنطقة، لتشكل نموذجاً للأم الأردنية، التي ينبغي الاحتفاء بها، واعطائها بعض حقها، ورد شيء من جميلها.
أخذت «أم حمزة» لقب الحاجة في وقت مبكر، وهي صغيرة في السن نسبيّاً لم تبلغ الثلاثين بالمقارنة مع الذين كانوا يؤدون فريضة الحج في تلك الأوقات الغابرة، حيث كان عدد السيارات في الأردن لا يصل إلى العدد الذي تملكه عائلة أردنية واحدة في هذه الأيام، بالاضافة إلى أن القرى لم تكن تحظى بوجود طرق معبدة، أمّا الكهرباء فيتم رؤيتها عن بعد في فلسطين المحتلة عام (48)، وتسمى «كامبنيّات» اشتقاقاً من (كامب)، بالاضافة إلى فقدان كل وسائل الاتصال بما فيها «الفيسبوك» «والتريكولار».
نشأت وترعرت الحاجة في بيت زعيم القرية من دار أبو صيني، حيث كان منزله يستقبل الضيفان في معظم أيام العام، وكان الأبناء والبنات بالاضافة إلى الأم في شغل دائم من أجل القيام على خدمة ضيوف الحاج أحمد العبد القادر، الذي كان إماماً وخطيباً ومصلحاً اجتماعياً، بالاضافة أنه يجيد تجبير الكسور على الطريقة العربية، وكان حكيما و طبيباً للمنطقة كلها، حيث كان يأتيه كل من يشكي ألماً في عينه، أو في ضرسه، أو معدته في ظل عجزهم عن الذهاب إلى أماكن العلاج التي لم تكن معروفة، والوصول إليها ان وجدت يشكل عبئاً ثقيلاً لا يستطيعه جلّهم بل كلهم على وجه الدقة.
تروي « أم حمزة» قصة والدتها الحاجة «حليمة «في يوم جاءهم مجموعة من الفرسان على إثر شكوى من المختار بحق أخيها المختار السابق، حيث وقع بينهما خصومة، وكانوا مشغولين بإعداد الطعام لهم ليلاً بعد ذبح الذبائح، وكانت الحاجة مشغولة بالعجين على وجه السرعة لاعداد الخبز، فرأت وقد جاءوا بأخيها للعقاب مقيداً، فقامت إلى أحد الفرسان وأمسكت بصدره، وضربته كفاً على وجهه اليمين، وكفاً آخر على الجهة الأخرى ويداها ملطختان بالعجين، وأنهت الموقف أمام حضور أهل القرية الذين كانوا يرقبون المشهد، فما كان من قائد المفرزة إلّا أن يذعن لجرأة المرأة وشجاعتها النادرة وينهي الموقف عبر المصالحة، قبل تناول العشاء.
الحاجة «أم حمزة» التي تشبعت من هذا المشهد كرامة وإباءً وعزة وشموحاً، بقيت كذلك حتى اللحظة، وعندما تزوجت من الحاج محمد الغرايبة أبو شقراء، وجدت نفسها في بيت مشابه، حيث كان منزلها مفتوحاً على مدار أيام السنة للضيوف وأصحاب الحاجات، وتعمد إلى إشعال النار لعمل القهوة السادة في كل ليلة، من أجل استقبال رجال القرية القادمين من مزارعهم ورعاية أغنامهم في نهاية اليوم، من أجل مراجعة أحداث نهارهم وحل مشاكلهم.
كانت في منتهى الجديّة والنشاط، وتحمل معاني الصرامة، الممزوجة بنمط اجتماعي قيمي، لا يتهاون أبداً مع مظهر الاخلال بمعالم الرجولة لدى أبنائها، فتعلمهم الأدب، واحترام الآخرين ولكن دون ذلة، وتقديم الخدمة للآخرين ولكن دون مقابل، وكانت تعلم أبناءها الصبر على الفاقة وضيق ذات التي تمر بها العائلة أحياناً، وعدم مد اليد إلى أحد بطلب المعونة حتى لو كان قريباً، وأنجبت عشرة من الأبناء، خمسة ذكور وخمسة إناث، أكملوا تعليمهم جميعاً، على نفقة العائلة نفسها وعلى كد الرجل المزارع الذي كان يعد حبات القمح عداً.
عندما كان الابن أو البنت يأتي فرحاً مسروراً يحمل شهادته المدرسية وقد حصل على المرتبة الأولى في الصف، كانت تقابل ذلك بعدم المبالغة بالترحيب والمدح، وتقول له : إياك والغرور، ولا تتحدث بذلك إلى النساء، ولم تلجأ مرة إلى المفاخرة بأبنائها الذين يحصل أغلبهم على المراتب الأولى في صفوفهم، ولم يسمعوا مدحاً في وجوههم على الإطلاق، أما الوالد فكان يحب تشجيع أبنائه ولكن على طريقة الاعداد للمستقبل، بقوله أريدكم قادة عظاماً لأمتكم، والانجاز الحقيقي يكون بالاسهام بتحرير المحتل من الأرض والمقدسات مثل صلاح الدين وخالد بن الوليد.
كانت الوالدة أم حمزة، وكذلك الوالد على درجة عالية من التدين والالتزام ولكنه يخلو من التزمت والتطرف والتشنج، وكان تديناً محباباً للناس، ومحلاً للاعجاب والتقدير الممزوج بالحب والتعاون والمشاركة مع كل أبناء القرية.
تقبيل يديها المغضنتين وايدي الامهات المليئة بعلامات العمل والفلاحة والحصاد وقلع العدس والكرسنة ورعاية الأغنام والدجاج، وأعمال العجين والخبز، وجمع الحطب وحمل جرار الماء وشد الحبال، وغسيل الملابس وأعمال الطبخ وجلي الصحون ومسح الدموع عن الخدود الحزينة، ومسح جراحات الزمن وخدوشه وندوب الشقاء وضربات الشمس؛ حق علينا جميعا..
وتسأل الحاجة بصوت خافت لا تكاد تسمعه عن الخلاف داخل الإخوان، وتحاول أن ترقب الحديث الجاري بين أبنائها حول الموضوع، وتسال عن ابنها البكر (حمزة) وعن موضعه في الخلاف القائم، وتحاول فهم الحقيقة وتتبع التفاصيل باهتمام واضح..
هذه هي الأم الأردنية مثل كل الأردنيات الكبار اللواتي كان لهن دور كبير وبصمة واضحة كالشمس على الحياة وعلينا جميعاً، لهن التحية والتقدير والتكريم الذي يليق بكل أم عرفت معنى الأمومة، ولهن أجمل الابتهال وأصدق الدعاء بحسن الختام.
(الدستور 2015-03-22)