التنمية البشرية .. «الممرضين» نموذجاً

ما نحتاجه الآن فعلا العودة السريعة لدورنا في تنمية الموارد البشرية والتأهيل والتدريب المتقدم، ليس على صعيد الاقليم فحسب، بل وعلى صعيد دولي ايضا، وهذا لا يتحقق الا بتعاون ملزم يتحمل فيه كل طرف مسؤولياته، وان لا يُكتفى بالنظر الى التراجع الحاصل في مقدراتنا ومؤسساتنا وقوانا البشرية.
التنمية البشرية اصبحت في صلب اهتمام الدول، حتى الدول التي كنا نصدر اليها العمالة الكفؤة، اصبحت تهتم بتطوير قدراتها البشرية الوطنية، واذا ارادت الاستعارة من الخارج، فهو في اضيق الحدود، ويقتصر على الكفاءات المؤهلة تأهيلا عاليا، وينقصها مثل هذه الخبرات، وهذا ما يتطلب التركيز في نوعية التأهيل والتدريب المدروس، والمبني على احتياجات السوق المحلي اولا والاسواق الاقليمية ثانيا.
ورغم الاشكاليات الادارية التي تمر بها بعض من مؤسساتنا، بسبب تراجع القدرات المالية وتراكم الديون، وضعف الايرادات، الا انه ما زال بين ظهرانينا من يعمل بجد ويحقق انجازات حتى في أصعب الظروف، ولعل اجراءات نقابة الممرضين التي كانت تعاني قبل ثلاث سنوات من البطالة بين منتسبيها من الذكور، والتي وصلت الى 25 بالمئة، تتباهى الان ان نسبة البطالة انخفضت الى الصفر، ولم يعد هناك اي ممرض قانوني واحد بلا عمل، حتى ان النقابة عرضت تقديم خدماتها للمهن الطبية الاخرى.
قصة النجاح هذه التي يجب ان يتحدث عنها الجميع، لم تكن صدفة او ارتجالا، بل بنيت على أسس تعاون وشراكة مع القطاع العام الذي فتح ابوابه لتدريب الممرضين المتعطلين ومنحهم شهادات خبرة بعد انهاء التدريب الطويل نسبيا، اما النقابة فأسست شركة توظيف لكفاءات التمريض في المملكة، وقدمت خدماتها مجانا، لمنتسبيها، وهي بادرة نوعية تهدف الى تنظيم سوق العمل لهذه الكفاءات، داخل وخارج المملكة.
لدينا وسائل ومؤسسات تحفّز على المعرفة والابداع والبحث والتميز، وهناك جوائز سنوية تعلن وتوزع، ما نحتاجه ايضا ديمومة روافع الابداع والتحفيز، فما المانع من مأسسة هذه التوجهات، وانشاء قسم او دائرة للابداع والتطوير في كل مؤسسة حكومية او عامة او حتى قطاع خاص، لكي يتم اكتشاف الكفاءات ورعايتها وتبنيها، لتصبح هذه الادوات معايير اساسية في العمل والاختيار، وقد بدأت وزارة التربية برنامجا علميا يلامس هذه المتطلبات، لرفع كفاءة المعلم المؤتمن على جيل كامل.
اذا لم يرتبط تأهيل الموارد البشرية بالتحفيز والتميز ، واذا بقيت برامج التدريب تقليدية غير محدثة ، ولا تراعي تطورات العصر والمعرفة، واذا بقي اختيار الكفاءات على الاسس التقليدية المتبعة حاليا، لن نعود لتحقيق التميز مرة اخرى، لان حدة المنافسة تشتد، والاسواق لم تعد مفتوحة كما كان عليه الحال في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، والتغني بالكفاءات السابقة لن تنفعنا ،لان تجديد الكفاءات المتميزة هي من مميزات المجتمعات الحية النابضة التي تسعى وراء كل جديد وكل تميز... هذا ما ستضطلع به اللجنة الوطنية التي ستتشكل لتحقيق هذه الغاية.
(الرأي 2015-03-26)