بدائل الطاقة والغرق في المديونية

لا تجدي كثرة الكلام عن مصادر الطاقة في البلاد، بينما تغرق الدولة، عاما بعد عام، في مديونية ثقيلة؛ تلك المديونية التي تقف على رأس أسبابها كلفة توليد الكهرباء. وما أكثرها الندوات والمؤتمرات، ومثلها جلسات مجلس النواب، التي تحدثت في شأن هذه المصادر وأولويات الأردن. لكن الفعل على الأرض شابه التلكؤ والتباطؤ، حتى تورمت أزمتنا المالية إلى مستويات مقلقة.
ذاك يدعو إلى استغلال طاقة الرياح والشمس، وآخر يتغنى باستخراج الصخر الزيتي، وثالث يرى في الطاقة النووية بديلا عمليا، ولو بعد حين. في حين أن أيا من هذه الخيارات لم يتم المضي فيه بخطة عملية منذ الاحتلال الأميركي للعراق في العام 2003، عندما أصبح عبء النفط ثقيلا، وأمسى توليد الكهرباء تحديا. وتحول الأمر إلى تهديد للموازنة العامة واستقرار الدولة المالي والاقتصادي، عندما تعطل خط الغاز المصري الذي كان يمدنا بجزء من الغاز اللازم لعملية التوليد تلك.
وجهة نظر رجل المشروع النووي الأردني، د. خالد طوقان، هي أن وقت التنظير قد ولى، وأننا يجب أن لا نضيع المزيد من الوقت في جلسات مديدة للعصف الذهني الاقتصادي، بينما "نغرق في المديونية". وفي تقديري أن الرجل على حق. ومن المفترض أن تتولد، بعد هذا الجدل الطويل، إرادة سياسية واقتصادية، تتخذ مرجعية للأرقام والحسابات والكلف، لا للرغبات والكلام العام. وهنا، لا بد من التوقف، بقصد الحسم، عند ما صرح به مؤخرا د. طوقان؛ رئيس هيئة الطاقة الذرية الأردنية، بأن الأسعار المتوقعة للكهرباء بعد الاتفاق النووي الإطاري بين عمان وموسكو، لا تتخطى 70 فلسا للكيلوواط/ ساعة. وإذا علمنا أن الكلفة الحالية للكهرباء تبلغ 180 فلسا للكيلوواط/ ساعة، يكون خيار المحطة النووية منافسا. وهو منافس أيضا مقارنة بكلفة أسعار الكهرباء المتوقعة بعد توقيع المملكة لاتفاقيات توليد الطاقة من الصخر الزيتي، بمستوى 120 فلسا للكيلوواط/ ساعة. وعليه، فإن خياري "النووي" و"الصخر الزيتي" سيكونان ناجعين على المستوى المنظور. وبالتالي، فإن التحرك نحوهما يجب أن يكون مدروسا بعد الدخول في مرحلة الحسم الحقيقي.
بموجب الخيار الأول "النووي"، ستكون لدى الأردن فرصة إنتاج 40 % من الكهرباء اللازمة له، بعد خمس سنوات، عبر المحطة النووية الرئيسة. ثم تتزايد هذه النسبة تباعا. وربما تتقاطع معها، في الفترة ذاتها، فرص كبيرة بفعل اللجوء إلى خيار الصخر الزيتي.
الجدل، كما المعارضة، بشأن هذا الخيار أو غيره من خيارات الطاقة، مسألة طبيعية، تحدث في كل دول العالم. لكن الأمر يتحول، أحيانا، إلى سجالات، بعضها عقيم لا يجدي ولا يقدم طرحا علميا قائما على أسس معرفية أو معلوماتية. وحتى في جزئية وجود الثروة من عدمها، نجد جدلا غير مفهوم. فبالنسبة لاحتياطات الأردن من اليورانيوم، على سبيل المثال، يتوه المراقب حيال ما يتسرب من الأطراف التي تقود الجدل. ففي الوقت الذي تقول فيه الحكومة إن الأردن لديه وفرة في احتياطات اليورانيوم، وهي مدرجة في قائمة "ريد بوك" من المنظمات الدولية المعنية؛ يذهب معارضون إلى أن اليورانيوم اللازم للوقود النووي ليس كافيا في البلاد، ما سيدفع إلى استيراد هذا الخام الثمين!
السنوات الخمس المقبلة يجب أن تكون حاسمة في مجال خيارات الطاقة، بعد أن "شبعنا" كلاما، وغرقنا في أزمة مالية مفتوحة.
(الغد 2015-03-31)