الكتلة التاريخية والتوظيف الملتبس

سبق وناقشنا التوظيفات النظرية الملتبسة لثورات 1848 الاوروبية، ومفهوم الحرية عند جون لوك "مهندس ونبي الليبراليين"، ومفاهيم أخرى جرى إسقاطها على الحالة العربية.
وقد لاحظت مؤخرا تسويقا جديدا لمفهوم آخر هو مفهوم "الكتلة التاريخـــــــية"، وذلك في معــــرض تبرير أو حشد أطياف واسعة من القوى والايديولوجيات في إطار هذا المعسكر السياسي أو ذاك، فماذا عن هذا المفهوم من حيث جذوره النظرية وسياقاته:
- يعود هذا المفهوم للمفكر الإيطالي اليساري "انطونيو غرامشي" ( 1891 – 1937) الذي اشتقه من تنوع التركيبة الاجتماعية الإيطالية بين الشمال والجنوب، كما بين التقدم الصناعي وأنماط زراعية لم تتحرر تماما من سطوة اللاهوت.
وقد ارتبط المفهوم عند غرامشي بمجمل أفكاره أو تجديداته الأخرى في العمل الاشتراكي، مثل المـــثقف العضوي، والأمير الحديث، والهيمنة، ومقارباته الخاصة لمفهوم المجتمع السياسي "الدولة".
وكان من أبرز الذين استعاروه من العرب في إسقاطات مختلفة، المفكرون المغاربة، ومنهم محمد عابد الجابري وعبد الله العروي.
وأيًّا كانت هذه الإسقاطات وما تلاها من توظيفات لاحقة، فإن الإطار العام لهذا المفهوم عند غرامشي نفسه ينطلق من الحيثيات التالية:
1. في مجتمع لم ينجز ثورته الصناعية البرجوازية تماما وما يرتبط بها من تشكيلات طبقية وتعبيرات معرفية وفكرية، فإن البحث عن صيغة موسعة ضرورة موضوعية تتخطى اختصار العمل في حزب أو طبقة أو أيديولوجيا وحدها.
2. في لحظة سياسية تاريخية محددة حتى في بلد أوروبي فإن هذه الضرورة تصبح ملحة وراهنة.
3. إن المفاهيم في الحالة الأوروبية عموما والحالة الإيطالية خصوصا تحتاج إلى تبيئة أو توطين يلحظ خصوصيات الحالات المقارنة، ومن ذلك مفهوم الفاشية التي جرى التحشيد ضدها.
فالفاشية الايطالية ظاهرة مرتبطة بأزمة رأسمالية متقدمة تختلف كل الاختلاف عما يعتقده بعضهم نظائر لها في الشرق.
4. إن الكتلة التاريخية كشكل من أشكال الجبهة السياسية – الاجتماعية لم تطرح هكذا كيفما اتفق بل ضمن معايير واضحة مثل البرنامج، من جهة، والقوة الأساسية داخل الكتلة، من جهة ثانية، والإطار النظري المهيمن من جهة ثالثة، وجميعها معايير لا مكان فيها للرجعية وقوى التبعية للمراكز الامبريالية ولا للتحالفات معها.
5. ولو أخذنا هذه المـــعايير وطبقناها على التوظيفات الراهنة لدعاة "الكتلة التاريخية" لوجدنا أننا أمام تصورات أخرى لا علاقة لها بمفهوم هذه الكتلة، وموقع هذا المفهوم في المعمار الفكري الغرامشي.
(العرب اليوم 2015-04-01)