بـنــاء الإنـسان الأردنــي

يسجل التاريخ الحديث ان الدولة الاردنية هي الدولة الاولى التي اطلقت مشروع الاستثمار في الانسان تعليما وبناءً وتأهيلا، وعاش الاردنيون سنوات طويلة وتجاوزوا سنين عجافا اقليميا ودوليا بفضل هذا الاستثمار الذي اثمر امنا واستقرارا مصانين بحرص الشعب وحكمة القيادة، فبنينا وطنا عصيّا على الكسر والانهدام، واثبت مشروع الانهدام السياسي السائر على قدمين في الربيع العربي عجزه عن اختراق الصمود الاردني الذي منحته عبقرية المكان صلابة خاصة بخبراته الجغرافية في تجاوز حفرة الانهدام التي منحته اخفض منطقة في العالم .
وكما كل البناءات تحتاج الى صيانة فإن هذه الماكينة الاردنية بحاجة الى صيانة دائمة، تبدأ بصيانة القاطرة من خلال تحديث التشريعات والاساليب التربوية والتعليمة وتحتاج اكثر الى تعليم المواطنين اسباب الخلل او العطل الذي اصاب الماكينة، فإصلاح العربة لا يكفي اذا لم يعلم السائق اسباب الاعطال ويعمل على تجاوزها، مؤخرا حاولنا اصلاح الاعطال ونجحنا في بعضها وفشلنا في بعضها الآخر وابرز اسباب الفشل اننا عملنا على تطوير الوسائل والادوات ولم نعمل على تطوير الانسان الاردني مكتفين بتجربتنا السابقة وذاكرتنا الوطنية فقط .
للآن لم نجلس كعقل وطني لدراسة المتغيرات على الانسان الاردني الذي نجح في تطوير الكثير من ادواته القانونة والتشريعية ولكنه عاجز عن تطوير انسانه، فالتعليم يتراجع على المستويين المدرسي والجامعي والاداء الوظيفي يتراجع بحكم عوامل الاحباط الكثيرة، وليس اولها ان سلم الرواتب مربوط بالشهادة العلمية وليس بالانجاز والاداء الوظيفي، فباتت الدرجات تُمنح حسب العلاقة مع الادارة وليس حسب الكفاءة ويكفي للتدليل على ذلك ان نقول ان معظم التقييمات للموظفين تتجاوز حاجز الـ “ جيد جدا “ فيما يتراجع الاداء يوما بعد يوم، دون مراجعة لاسباب الخلل او عقد خلوة واحد لدراسة الظاهرة ووضع الحلول لها .
اقرب الدول الى حالتنا هي سنغافورة وكوريا الجنوبية، وهاتان الدولتان نجحتا في بناء الانسان فيهما، فالشخصية الكورية قادرة على بناء كوريا خلال سنوات قليلة لو داهمتها كارثة طبيعية وكذلك سنغافورة التي نجحت في بناء الانسان الذي بدوره سيبني سنغافورة، ونحن للآن عاجزون عن تحويل التعليم من اكاديمي الى تقني ومازالت الجامعات تعجّ بالطلبة الدارسين لتخصصات راكدة تماما وما آلت مشاريع التشغيل قاصرة عن تزويد سوق العمل بمطتلباته التي يلجأ لسدادها بالعمالة الوافدة.
في لحظات الضيق ونحن نعيشها الآن لا مخرج لنا الا بالانسان الاردني وتطويره وتحفيزه وليس بإرهاقه بالضرائب ورفع الاسعار، فجملة الحسين رحمه الله الخالدة “ الانسان اغلى ما نملك “ كانت تستهدف تطوير الانسان الاردني وتصديره للخارج او تشغيله في الداخل لرفع الدخل وتعظيم الانتاج ونجحنا من خلال هذا الشعار في تصدير الاف الكفاءات وأعادت الينا تحويلات ضخمة تجاوزنا بها ازمة الخليج الاولى والثانية، وما زال الشعار صالحا ولكن يحتاج الى صيانة الانسان واعادة تزويده بالمهارات والمعارف .
الآن اطلق الملك مشروعا ضخما لصيانة واصلاح القاطرة البشرية من خلال مظلة عليا للموارد البشرية في الاردن وهذا ما نحتاجه فعلا، فهذه المظلة يجب ان تكون مربوطة بالملك وتقوم الحكومة بتنفيذ مخرجاتها، لأن معظم التجارب الناجحة في البلدان المثيلة حافظت على ارتباط هذه المظلة برأس الهرم والزمت الحكومات بالعمل وفق مخرجاتها، فلا يجوز ان يكون لدينا عشرات المؤسسات المعنية بالموارد البشرية دون مظلة جامعة ودون استراتيجية وطنية شاملة، فالتعليم المدرسي بعيد عن التعليم العالي ودوائر الموارد البشرية غير مربوطة بسوق العمل والدائرة مفتوحة ويجب اغلاقها .
(الدستور 2015-04-05)