الحوش

الحوش ... ذلك المكان الذي أضحى فيه الوطن عنواناً للخيبة ، واندرجتْ بعده المعاني في معاجم البرودةِ ودهاليز الحياد.
أقف الآن في باحته ، حيث ُ أقضم ثمرة انتظاري الفارغة ، وتخز روحي قسوة اللقاء، وتلسعني مرارة الاكتشاف.
ماعدتُّ أحتملُ تبعثري على أرصفة الغربة ، وتيهي في ضواحي الشتات ، فلطالما أحرقني المبيتُ على أحلام مؤجلة بعناق وطن ، والصحو على صباحاتٍ جائعة .
تقطع السيارة الشارع ببطء . ليت للسائق أنْ يُسرع ، ليت للساعة أن تعجل دورة عقاربها ، فللشوق سطوة ٌ جنونية ٌ ، لم تعد تؤمن بالوعود المؤجلة ، والخضوع لقوانين الانتظار .
لحظات ويكتمل اللقاء ... أقترب من الحوش ، ترتعش يداي ، تتسارعُ نبضاتُ قلبي ... أفتح باب السيارة ، أقترب من البوابة ، تلك التي تنغلقُ على تاريخٍ حافل ٍ بالذكريات ، أتحسسها ، فتظهر بصماتُ يدي واضحة مكان ما مسحتُ من غبار . أدفعها وأدلف .
يصفعني المكان بذاكرةٍ مُضادة ، وتلفحني الأشياء برائحة مُغايرة لتلك التي تختزنها خلاياي .
الأبواب مُشرعة ، بقايا قطع الأثاث القديمة المبعثرة في المكان تغرق في غبارالهجر ، أبحث عن المقعد الخشبي الذي كنت أجلس عليه ، عن موقد النار ، عن مائدة الطعام التي كنا نتحلق حولها ، فلا أجد شيئاً سوى سرابٍ لذاكرة اغتالها الرحيل .
آه .. لم أعرف الدار بعد توهمٍ يا عنترة ، ولم أقفْ على أطلالِ الذكريات بعد عشرين حجة ً يا زهير . أسيرُ نحو البئر ... ماؤها قد جَفَّتْ ، وبابها قد صدأ .أذكرُ جيداً تلك الليلة التي اجتمعت فيها العائلة ، هنا تحديدًا كانت تجلس جدتي عندما قالت : " الخطية في ركابكم يا اوليداتي ، الحوش هو المطرح الي بلمكوا " ضحكنا وغرقتْ هي في صمت طويل وشرود ...أفهم الآن سره .
كمن يتعلم المشي على أرض غريبة أحاولُ التجولَ في الباحة ... ماذا أفعل وأنا الغارقة بين الحلم ووهم الوطن؟ لا شيء سوى الخيبة ، فاللقاء والوداع توأمان ، فلا شيء في الأول ينتظرني ، ولا شيء في الآخر أتركه خلفي !
أعود أدراجي ...ما زال الغبارُ يغطي الجزء الأكبر من البوابة . أغلقها وأمضي ، وما زال صدى صوت جدتي يتردد في الباحة والغرف المهجورة : " الخطية في ركابكم يا اوليداتي ، الحوش هو المطرح الي بلمكوا "...
يتكرر الصوت مرات ومرات ولا يسمعه أحد سواي