تسييس المال الأُميِّ!

- اضافة الى كل ما قيل حول المصاهرة بين المال والسلطة بعد أن تسبب هذا النسب في تدمير دول وسقوط أنظمة، ثمة محاولات مسكوت عنها لتسييس المال الأمي.. فالمال رغم انه بلا جنسية وعابر للحدود، لا يبقى محايداً كالسلاح تماماً، فالسلاح يخضع للزناد الذي يستخدمه والبوصلة التي توجهه ويفقد حياديته فور وقوعه في اليد البشرية. وقد لا يكون هناك مال ذكي ومثقف وآخر أميّ وغبيّ، لكن سرعان ما يحمل هذه الصفات لمجرد تداوله. والمال الذي استخدم بحكمة وحنكة وبلا سفاهة بنى مؤسسات وقلاعاً اكاديمية، وعبر بدول من طور متخلف الى طور آخر، بعكس المال الذي استخدم لبرمجة ومنهجة التجهيل، واصابة الناس بزوغان البصر والبصيرة معاً، بحيث لا يعرفون ما اذا كان نعمة أو نقمة والمال الأميّ الذي يجري تسييسهُ هو نقمة بالتأكيد، سواء أنفق في الرشاوى السياسية وتزوير صناديق الاقتراع في الدول الاكثر فقراً وارتهاناً للحاجة أو في الحشد باتجاه مضاء للتحديث والتقدم واللحاق بالعصر.
نعرف ان هناك مصاهرات بين مال وسلطة ومال وثقافة انتهت الى طلاق بائن بينونة كبرى، وغالباً ما اقترن هذا الطلاق بفضائح أخلاقية وسياسية، لأنه لم يتأسس على تناغم حقيقي، وانما كان استجابة لنداءات غرائزية، فشهوة المال كشهوة السلطة بمعزل عن دورها التاريخي، كلاهما يشحذ الدوافع الوحشية باتجاه أسوأ ما أفرز التخلف المطلي بمساحيق التجميل، وهما الاحتكار والاقصاء، لأن كل احتكار للمال أو للسلطة يفضي على الفور وبالضرورة الى الاقصاء.
ولو راجعنا ثلاثة عقود عجاف مضت لوجدنا أن تسييس المال الأمي، انتج نمطاً من الاعلام الاعلاني والثقافة الاستهلاكية التي تعيش على نفايات الآخرين من أصحاب الغلبة والانتاج، وما كان لمنظومة من القيم والمفاهيم أن تنقلب رأساً على عقب لولا سموم تلك الثقافة المضادة لجوهر البشر وأحلامهم في حياة أقل شقاء وانتهاكاً، فقد أوشكت العملة الرديئة أن تطرد العملات كلها، وأصبحت المفاضلة التي تشترط مقارنات بين الجيد والأجود مُرادفة من أجل مقارنات مضادة بين السيء والاسوأ، والجاهل والأجهل والقبيح والأقبح، خصوصاً بعد أن تمت بعثرة التضاريس السياسية وخطوط الطول والعرض الاجتماعية والثقافية لعالم عربي بلغت الخصخصة الوطنية قبل الاقتصادية نخاعه.
ان تسييس المال الأمي من شأنه ان يُنتج متوالية كارثية لتقهقر الحياة في كل مجالاتها فهو يطرد الكفاءة لصالح الولاء حتى لو كان كاذباَ وموسمياً يرتهن للعلف.
واذا كان من تبقى من عرب على قيد ضمائرهم وقوميتهم وتاريخهم قد عفوّا عن اشلاء وطنهم التي خلفتها الضواري واشتبكوا على ما تبقى منها مع الضباع فهم ليسوا ذلك الغراب الذي صام نهاراً كاملاً ثم بلغ به الجوع عند الغروب حداً صاح معه: آه على ذبابة..
ان من سوف يصيحون على ذبابة هم الذين أكلوا لحوم احيائهم وموتاهم، وقضموا أثداء أمهاتهم، وقايضوا دم الشقيق وكرامة الذات بحفنة سنتات لا دولارات!
ان التفسير الوحيد لتحول فائض الثروة الى مديونيات وفائض تخلف هو تسييس المال الأمي، فهو كالسلاح بيد مجنون أو طفل لا يدرك من يستخدمه اخطاره الا بعد خراب المدائن كلها وليس البصرة فقط!
(الدستور)