المعركة الحقيقية

تم نشره الأحد 23rd كانون الأوّل / ديسمبر 2012 12:38 صباحاً
المعركة الحقيقية
د. رحيّل غرايبة

 

كل ما يجري الآن من مظاهر متباينة ومختلفة في أشكال المواجهة المحتدمة بين الفرقاء المتشاكسين في أغلب الساحات العربية، هي في حقيقتها تعبير عن مضمون واحد لجوهر الصراع القديم الأصيل المتواصل والمستمر في قلب العالم العربي والإسلامي منذ ما يزيد على قرنين من الزمان، وما زالت المعركة قائمة وإن كانت في الهزيع الأخير من الليل الطويل الذي أرخى سدوله الحالكة والمظلمة على جميع أقطارنا بلا استثناء، والذي يشعر بالذعر مع ارهاصات بزوغ فجر الحرية الجديد.


منذ مطلع الحملات الصليبية وحروب الفرنجة، مروراً بالحقبة الاستعمارية المتوحشة وانتهاءً بمرحلة الاستبداد والفساد والقمع والأنظمة البوليسية التي خلفها الاستعمار، وحظيت برعاية دول الاستكبار العالمي، وما تخلل ذلك من حملات تغريب ممنهج وحركات أيدولوجية وافدة، من كل لون ومن كل صنف، كل ذلك يعبر عن معركة "الاستلاب الحضاري والثقافي" التي تخوضها كل الأطراف الخارجية على اختلاف منطلقاتها الأيدولوجية ومشاربها الفكرية ومصالحها الذاتية الخاصة، ولكنها تجمع كلها على خوض المعركة ودخول لجة التنافس على هذه المنطقة التي تمثل قلب العالم من حيث الموقع الاستراتيجي إضافة إلى النفط والثروة الهائلة والمستقبل الواعد.


لا سبيل للسيطرة على هذه المنطقة إلاّ بتغييب العنصر البشري ابتداءً، ولا سبيل لتحييد العنصر البشري إلاّ من خلال النجاح في معركة الاستلاب الحضاري والثقافي، التي تقوم على إبعاد الهوية الجامعة، وإحياء النزعات العرقية والدينية والمذهبية، والإمعان في التفرقة والتقسيم، والاستعانة بالغزو الفكري والأيدولوجي، والحيلولة دون تقدم الشعوب العربية والإسلامية نحو مصدر عزتها، ودون الاهتداء مرة أخرى إلى مقومات النهوض الحضاري التي يختزنها الاسلام العظيم الذي يشكل الرافعة العظمى لإعادة صياغة الأمة الكبيرة القوية الموحدة صاحبة الرسالة والمشروع، المصونة الحدود والمهيبة الجانب.
لقد أصيبت القوى الاستعمارية بالذهول من هول الصدمة التي أحدثتها الثورة الشعبية العربية الحديثة، بالدرجة نفسها التي اذهلت وصدمت القوى الداخلية المتغربة، والنخب الفكرية المختلفة التي تشكل اختراقاً مزمناً داخل جسم الأمة، والتي فعلت فعلها في إبعاد الأجيال عن هويتها الثقافية الجامعة، وقطع الصلة مع تراثها الحضاري النبيل وتشويه تاريخ الأمة، وإبعادها عن مصدر عزتها ووحدتها، ونزع ثقتها بنفسها، ومسخ معالم شخصيتها، من أجل تحقيق أهداف القوى الخارجية الطامعة بإعادة صياغة العالم العربي والإسلامي، وتغيير اسمه وإبطال هويته وإخراج منطقة جديدة وبناء شعوب جديدة وإيجاد هويات جديدة وانتماءات أيدولوجية جديدة لا يجمع بينهما جامع، ولا يربطها رابط، سوى التبعية لقوى غربية وشرقية وتضمن استمرار النزاع والفرقة والضعف والاستلاب.


إن كل ما يجري من معارك على الساحات العربية، صغيرة كانت أم كبيرة، سلميّة أم مسلحة، من خلال الانتخابات أو الاستفتاءات، أو المظاهرات والمسيرات والاعتصامات، أو القتل الجماعي، أو الاغتيال الاجتماعي، أو التشويه الاعلامي عبر الصحف والمجلات أو الفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية، كلها مظاهر لمعركة واحدة فاصلة بين فريقين؛ فريق يقاوم الاستلاب الحضاري والثقافي والفكري ويحاول إعادة بناء الأمة الوحدوية عبر مشروعها الاسلامي العربي الحضاري الكبير، وفريق آخر يشكل تحالفاً من قوى وتشكيلات كبيرة وصغيرة وفسيفسائية متعددة يجمعها هدف وغاية واضحة تتمثل بالخوف والرعب من ظهور هذا المشروع الكبير بهذه الهوية تحديداً، وهم يبحثون عن هويات جديدة وانتماءات خارجية، بعضهم يختبئ خلف العلمانية أو الليبرالية والحداثة، أو هويات فرعية صغيرة، أو أيدولوجيات تابعة لشرق أو غرب، بعضها بائد، وبعضها في طور النزاع بالرمق الأخير، وبعضها لا يدري أين هو واختلط عليه الأمر، وبعضهم غارق في مصالحه الشخصيّة الضيقة.


رغم الاختلاف الكبير في المفاهيم، ورغم الحرب الاعلاميّة الشرسة التي تستخدم فيها كل الاسلحة الذكية والمحرمة، ورغم الاموال الطائلة التي يتم ضخها في المعركة، ورغم البحر المتلاطم من الكذب والخداع والتضليل ورغم الضباب الكثيف الذي يلف المكان، فإن الأمة مضطرة لخوض هذه المعركة الشرسة التي فرضت عليها، ولا مفرّ من مواجهتها، وقد بدأت، وسوف تنجلي المعركة بانتصار الأمة في اثبات ذاتها وحفظ وجودها، وسوف تستعيد هويتها الثقافية الجامعة وسوف تبني مشروعها الحضاري الجديد، بنكهة عربية اسلامية صافية، ورغم الجراح وكثرة الاصابات وكثرة الشهداء، سوف تنكسر موجات الغزو الخارجي، وسوف ينقشع ضباب الكذب والزيف وسوف تنقشع غيوم التضليل والخداع، وسوف تشرق شمس الحرية، وتظهر الحقائق جلية أمام الأجيال الجديدة القوية التي ستنسج من خيوط الشمس الذهبية مستقبل الأمة الزاهي وسوف تبقى راية العروبة والإسلام راية واحدة مرفوعة.

( العرب اليوم )

 

 



مواضيع ساخنة اخرى
الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية
" الصحة " :  97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم " الصحة " : 97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم
الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع
3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار 3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار
الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن
العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا
" الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار " الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار
العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا
الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي
بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان
عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي
إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن
تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام
ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي
الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة
الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات