التفاهم المستحيل

تم نشره الإثنين 24 كانون الأوّل / ديسمبر 2012 12:48 صباحاً
التفاهم المستحيل
خيري منصور

 

من ولد في قرية بعيدة عن البحر ومات فيها دون ان يرى سواها، من حقه أن يرى في غدير او بركة ماء المحيط الاطلسي وهذا ما يحدث بالفعل فالتفاوت بين البشر من حيث الخبرة والوعي هو مصدر سوء التفاهم بينهم، وفي عالمنا العربي ثمة من يبكون من أجل الوحدة العربية علانية لكنهم يلعنونها سرا، لأنهم مستفيدون من التجزئة، ولكيلا نكرر ما قيل مرارا عن البعدين السياسي لهذه المسألة، نقتصر على البعد الثقافي والفني فقط.

فحين تكون معايير الحكم على عمل ما أو فعالية ذات صلة بالمعرفة في النطاقين القومي والكوني تتضرر اعداد هائلة ممن تحولوا الى نجوم ساطعة في قراهم او حتى حاراتهم.

وفي دراسته القيمة والموثقة عن الدولة القطرية والدولة القومية قدم جورج طرابيشي احصاءات دقيقة عن هاجس المحلية. وتكريس الهويات الصغرى والفرعية، بحيث نظر البعض الى السلاحف والاسماك في بلدانهم كما لو انها تحمل الهويات ذاتها، واذا كان هناك من يفضل ان يكون فقيرا في بلد ثري على ان يكون ثريا في بلد فقير، فإنه بالمقابل هناك مثقفون يفضلون ان يكونوا مجرد قراء حصيفين في بلد مثقف على ان يكونوا مشاهير بين العميان، والمسألة كلها ترتهن لوعي الانسان بذاته وما يحيط به، لكن فلسفة المراذلة حلت مكان فقه المفاضلة فأصبح هناك من يطمح الى ان يكون اقل جهلا وليس اكثر معرفة، واقل قبحا وليس اكثر جمالا، لهذا ينشغل الناس في مراحل انحطاط كهذه بإفشال غيرهم، كي يستمدوا القيمة من هذا الافشال، فليس مهما ان تكون غنيا لأن الأهم ان يكون غيرك فقيرا، وليس المهم ان تكون متعلما بل الاهم هو ان يكون غيرك اميا.

وما يقوله علماء الاجتماع عن هذه الظاهرة يستحق التأمل، فالأمم تمر بربيع حضاري وليس بالمعنى السياسي المختزل كما تمر بخريف بالغ القسوة، وفي ربيع الحضارات يزدهر الطموح وتصبح المغامرة مناخا شاملا لكل انشطة الحياة بعكس خريفها الذي يدفع الى البطالة والاستنقاع والتنبلة.

فالخير كما يقال يجرّ خيرا وراءه والعكس صحيح، وهناك بشر يخافون من اختبار جدارتهم لهذا يعيشون حتى الموت داخل شرنقة قضم ذويهم فقط ومن يشاركونهم الوهم، فالأحمق له معجبون به أيضا كما تقول سيمون دوبرفوار وهم الأشد حمقا منه.

وما يستفزنا هو ان المستفيدين من التذرر القومي، وخرائط سايكس بيكو واحفادهم يعلنون غير ما يبطنون، فالوطن العربي لو كان دولة واحدة لكان لها سفير واحد في كل من بلدان العالم وليس اكثر من عشرين سفيرا، سيزداد عددهم اذا نجحت استراتيجية رايس وتوقعات بيريز الى سبعين بعد أن ينشق كل قطر عربي الى اربعة.

ان بإمكان اي شخص لم ير البحر في حياته ان يظن أن بركة الماء في قريته هي المحيط وان هضبة صغيرة فيها هي قمة افرست وان بيتا من طابقين هو برج ايفل لكن مشكلته ان ما يتصوره لا يشاركه فيه احد، وانه يموت مخدوعا.

واذا كان الجهل -كما يقول برتراند رسل- هو اهم ينبوع للحرية في تناول اي موضوع او قضية. لأن العلم قيد ويصاحبه خجل انساني فإن اهم مصادر سوء التفاهم الآن هو تفاوت الخبرة والوعي بحيث اوشكت القواسم المشتركة القديمة ان تنقرض لصالح خصخصة تخطت الاقتصاد الى الثقافة ومجمل مناحي الحياة!

( الدستور ) 

 

 



مواضيع ساخنة اخرى
الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية
" الصحة " :  97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم " الصحة " : 97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم
الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع
3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار 3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار
الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن
العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا
" الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار " الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار
العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا
الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي
بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان
عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي
إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن
تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام
ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي
الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة
الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات