حتى لا تسقط المصالحة في « ساحة الكتيبة » !

يُظهر الخلاف حول “مكان” تنظيم الاحتفال بالذكرى السابعة والأربعين لانطلاقة حركة فتح في قطاع غزة، استمرار حالة انعدام الثقة بين جناحي الحركة الوطنية الفلسطينية (فتح وحماس)، وهو إلى حد كبير، يُظهر استمرار الخلاف بين مكتب حماس السياسي (الخارج) من جهة، وقيادتها في قطاع غزة (الداخل) من جهة أخرى، وهو خلاف يهدد بتبديد المناخات الإيجابية التي سادت الساحة الفلسطينية في الأسابيع القليلة الفائتة، ويُعيد إلى الأذهان الدور الذي لعبته “قيادة غزة” في عرقلة اتفاق الدوحة والإطاحة بمفاعيله الإيجابية.
أمس، أعلنت الحكومة في غزة، أنها لن تمنح تصريحاً لحركة فتح بإقامة الاحتفال السنوي بذكرى انطلاقتها (وهي بالمناسبة ذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة) في “ساحة الكتيبة” في غزة، حيث اعتادت فتح أن تقيم احتفالاتها المركزية قبل “الحسم/ الانقلاب” في العام 2007، وتبعتها حماس بعد هذا التاريخ.. وعرضت على فتح اختيار مكان آخر لإقامة الاحتفال، لا أدري أن كان المقصود ساحة في “الخلاء” أم في غرفة اجتماعات مغلقة.. ما أثار غضب فتح، التي منحت بدورها تصريحاً لحماس، لإقامة احتفالاتها الجماهيرية بالذكرى الخامسة والعشرين لانطلاقتها، في عددٍ من مدن الضفة، ولأول مرة منذ الانقسام.
في الأصل، نحن نرفض فكرة “منح التصاريح”، ونؤثر عليها أسلوب “العلم والخبر”، فالحق في الاجتماع والتظاهر السلميين، يتعين أن يكون مكفولاً، لا سيما في زمن “الربيع العربي” وبالأخص في الحالة الفلسطينية الرازحة تحت الاحتلال والاستيطان والحصار.. لكن الإصرار على “تقزيم” احتفالات فتح بذكرى انطلاقتها، يعكس من جهة حالة من الخوف من “بُعبع” فتح في غزة، مثلما يعكس من جهة أخرى، ميلاً للهيمنة والاستئثار، غير المقبول أبداً، وبالأخص في مناخات المصالحة الفلسطينية.
أما الذرائع التي ساقتها حكومة حماس في غزة لرفض التصريح لفتح باعتماد “ساحة الكتيبة” مكاناً لإقامة احتفالاتها، فهي أقبح من ذنب، بل وتنتمي إلى “فيض المبررات” التي طالما ساقتها نظم القمع الاستبداد في تبريرها لرفض الاجتماعات العامة، ومصادرتها لحق شعوبها في التظاهر والاحتجاج والاحتفال.. فأي مبرر أمني يمنع إقامة احتفال شعبي في “ساحة الكتيبة”، وأية مصلحة للشعب الفلسطيني تقتضي منع هذا الاحتفال أو تغيير مكانه؟.. وإلى متى ستبقى كل من الحركتين تقيس علاقاتها مع الحركة الأخرى، من منظور “المعادلة الصفرية”: كل مكسب تحققها إحداهما، هو خسارة للأخرى؟!.
في المعلومات، أن فتح أجرت اتصالات مع قيادة حماس في الخارج والداخل.. كان جواب خالد مشعل وموسى أبو مرزوق: على الرحب والسعة.. أما الإجابة ذات “الطبيعة الأمنية” من غزة، فجاءت مثقلة الشكوك والشروط والتعقيدات، التي من شأنها تعكير مناخات المصالحة، ومن خلفها نوايا الاصرار على التفرد والاستئثار.. وفي ظني أن هذه الأسباب هي ذاتها التي عطلت اتفاق الدوحة، وكنا نظن أنها تبددت أو تراجعت مع “نصر غزة” وزيارة خالد مشعل التاريخية إليها، وتعزيزه وصحبه في المكتب السياسي، لمكانتهم في الهرمية القيادية لحماس.. لكن يبدو أن رياح أوهامنا وأمانينا لم تهب بما تشتهي سفن المصالحة والتفاؤل بالمستقبل.
ويعيد الجدل حول “ساحة الكتيبة” طرح أسئلة أشد تعقيداً، ليس فيما خص احتفال فتح، فتلكم جزئية يمكن القفز عنها وتجاوزها..بل حول فرص المصالحة الوطنية أولاً، وحول “من يتخذ القرار داخل حركة حماس” ثانياً.. هذا أمر، لن تتضح معالمه النهائية قبل انتهاء حماس من تشكيل مكتبها السياسي (قبل نهاية العام كما يُرتجى)، وربما يستمر الحال، إلى ما بعد انتهاء هذه العملية، إن جاءت حساب الحقل مغايرة لحسابات البيدر الانتخابي الداخلي للحركة.
إن تعطيل مهرجان فتح المركزي في غزة، مثل تعطيل عمل لجنة الانتخابات فيها، مؤشران محمّلان بالدلالة على رمزيتهما وتواضع تأثيرهما.. إنهما يعكسان عدم نضج الشروط في غزة (حمساوياً) لإنجاز المصالحة الوفاء باستحقاقاتها.. وهنا، هنا بالذات، يأتي دور الوسيط المصري من جهة والرأي العام الفلسطيني من جهة ثانية، فهذا الأخير هو صاحب المصلحة الأولى في المصالحة، وهو القوة التي بمقدورها أن تمارس ضغطاً حقيقياً على الطرفين لإنهاء الانقسام.
غني عن القول، أننا هنا لا نُحمِّل حماس (غزة) وحدها وزر المماطلة والتسويف في إنجاز ملف المصالحة، فثمة أطراف على الضفة الأخرى في معادلة المصالحة والانقسام، تتحمل قسطها من المسؤولية كذلك، وفي ظني أن “التعويل” على الخيار التفاوضي، والخروج من إحدى حلقاته المفرغة للدخول في حلقة مفرغة أخرى، يتحمل المسؤولية أيضاً عن التعطيل والتأخير، مع كل ما يختزنه من شروط والتزامات، وما قد يمليه من تراجعات وتنازلات، وما يثار في سياق من نصائح (إقرأ ضغوط) لإبعاد وحماس واستبعادها، أقله في المدى المرئي.. لكننا في هذه المقالة، سنكتفي بالتأشير إلى عقلية ضيقة، تهدد واحدة من أفضل الفرص لاستعادة الوحدة الوطنية وإعادة بناء التمثيل والنظام الفلسطينيين، أقله منذ إعلان الدوحة.
( الدستور )