وزير مالية "شاطر بالإملا"

منذ عقدين والحكومات في حيرة مالية عندما يتعلق الأمر بالتغيرات أو النقلات الكبرى في السياسات الكلية؛ فهل تعلن أن سياساتها هي إملاءات وشروط من قبل صندوق النقد، أم أنها سياسات وطنية؟
لغاية سنة 2000 كان الكلام عن طبيعة الصلة بين الحكومات وصندوق النقد يقترب من الأسرار. كان الصندوق يسمي وثيقة شروطه "كتاب نوايا" تقوم الحكومات بإرساله اليه باعتباره خياراً لتلك الحكومات، مع علمها أنه لا خيار لها في الأمر. وقد بقي نص كتب النوايا سراً الى أن غيّر الصندوق سياسته وقرر الافصاح عن النصوص المتداولة، وبالتزامن قررت الحكومات المبادرة من جهتها الى الافصاح. وفي أول تجربة من هذا النوع في الأردن، وقد كانت مع حكومة عبدالرؤوف الروابدة، أعلن الرئيس ذلك باعتباره شجاعة من حكومته التي لا تخشى شيئاً، وجرى نشر الاتفاقية مع الصندوق بعد أن نشرها الأخير.
قبل أسابيع ومع توقيع الاتفاقية الجديدة من الصندوق، عاد الكلام عن كتاب نوايا جديد، لكن الحكومة "استسمحت" الصندوق بالعودة مؤقتاً الى الحفاظ على سرية النص لأسباب تتعلق برد الفعل، وقد وافق الصندوق مشكوراً.
انتهت فترة السماح منذ يومين، حيث قام الطرفان بالإفصاح عن الاتفاقية، لكن وزير المالية، جدد في اللغة المستخدمة، فسمى الاتفاقية: "الاستعداد الائتماني"، والمعنى المباشر لذلك "القابلية للاقتراض"، لأن رسالة النوايا تتحدث عن إجراءات من دونها لا يسمح للحكومة بأن تقترض. وبالتزامن مع ذلك أعلن الوزير أن الاتفاقية هي "برنامج وطني"، أي ان الوزير الحالي زاوج بين مزايا عهدي التكتم والافصاح.
صحيح ما يقال بأن الصندوق لا يطرق باب الحكومات وأنها هي التي تطرق بابه، وعلى هذا فالصندوق لا يملي سياساته إلا على مَن يختار أن تُملى عليه هذه السياسات، وهذا يعني أن اختيار الخضوع للإملاء هو فعلاً اختيار وطني، وبهذا المعنى فقط يكون الوزير مصيباً في كلامه عن برنامج وطني.. إنه برنامج وطني للخضوع. ( العرب اليوم )