صورتنا تحت المطر.. رداءة الاستعدادات والممارسات ايضا

اصابت “الدستور” حين ذكرت امس في عنوانها “بأننا رسبنا في امتحان الأحوال الجوية” وهذا “الرسوب” لا يتعلق فقط بالاجهزة المعنية التي اكتشفنا بأن “استعداداتها” وامكانياتها كانت مجرد كلام لا صلة له بالواقع، وانما يتعلق ايضا بنا كمجتمع، اذ اكتشفنا ايضا بأن اخلاقيات البعض قد تراجعت لدرجة سمحت لهم باستغلال هذه الظروف “لابتزاز” الناس، سواء في اجور المواصلات او اسعار المواد الغذائية او غيرها من الخدمات.
في “الازمات” فقط يمكن ان نرى صورتنا بوضوح، بلا رتوش ولا مكياج، فمن تجول في العاصمة خلال اليومين المنصرمين رأى بعينيه كيف تحولت شوارعنا الى بحيرات ومستنقعات، وكيف خرجت المياه من “المناهل” على شكل “نوافير” وكيف انسدت الانفاق التي دفعنا عشرات الملايين لبنائها بالمياه والاتربة، وكيف “غرقنا” جميعا في “شتوة” لم تكن مفاجئة ابدا.
حين تسأل لماذا حدث ذلك، لا تجد الا كلمة واحدة وهي “رداءة” الاستعدادات بكل ما تحمله من تقصير واهمال يتحمل مسؤوليته هؤلاء الذين اوهمونا بأن “بنيتنا” التحتية بخير، وبأن الاموال التي دفعها المواطنون لتحسين شبكات الصرف الصحي وبناء الجسور والانفاق والشوارع قد ذهبت الى مكانها الصحيح، فيما الحقيقة غير ذلك تماما، فهل ما رأيناه هو جزء من “الفساد” الذي تغلغل للأسف في مفاصل مؤسساتنا؟ أو أنه جزء من سوء الادارة والاهمال في تحمل المسؤولية؟ او انه نتيجة طبيعية لغياب المساءلة والمحاسبة؟ ومهما يكن، فاننا لم نسمع ابدا من احد انه يتحمل مسؤولية ما جرى، بل ان كل طرف حمّل الطرف الآخر مسؤولية هذا التقصير؛ ما يعني اننا امام حالة من الفوضى، ليس في الشوارع التي اكتظت بالسيارات والمياه والاتربة وانما في “المؤسسات” التي اشتبكت صلاحياتها واختلطت فيها اوراق “الفزعة” مع “التبرير” مع العجز ايضا.
لا شك بأن بعض الاجهزة قد نهضت ببعض مسؤولياتها، ولا شك بأن رجال الامن والدفاع المدني قدموا “الواجب” لكن كل هذه الجهود المشكورة لم تخف صورة “المشكلة” التي كانت اعمق بكثير من محاولات الانقاذ في اللحظة الاخيرة، وهي اعمق لأنها تتعلق “بالبنية التحتية” وبتواضع التجهيزات والاستعدادات وبغياب خطط الطوارىء الحقيقية، وبسوء التخطيط والتنظيم والتنفيذ وافتقاد المتابعة والصيانة، وهذه كلها تعكس “انتكاسة” ادارية تتحمل مسؤولياتها امانة عمان ووزارة الاشغال وغيرهما من الاطراف المعنية بالموضوع.
الى جانب “رداءة” الاستعدادات ثمة رداءة في ممارسات البعض وتعاملهم مع هذه الظروف الجوية، سواء على صعيد من يتولى تقديم الخدمات الضرورية وهؤلاء استغلوا المواطنين لدرجة ان اجور المواصلات تضاعفت وكذلك بعض اسعار السلع .. الخ، او على صعيد الناس الذين اندفعوا الى الاسواق لشراء ما يلزم وما لا يلزم ووقفوا طوابير امام المخابز وكأن موعد “الحرب” قد اقترب!، او على صعيد المجتمع الذي افرز حالة من “الانانية” والارتباك وكأن قيم التكافل والتعاون والنخوة والمروءة قد تراجعت لدى البعض لدرجة الاضمحلال.
مجرد “شتوة” عابرة كان يفترض ان تعيد الينا ما افتقدناه من بهجة وسعادة وتفاؤل بالمستقبل، وان تحيي داخلنا الهمّة والامل والخير، لكنها للأسف كشفت عن سوءات شوارعنا وبنيتنا التحتية كما كشفت ايضا عن اخلاق وقيم بعضنا، لا على صعيد تحمل المسؤولية؛ وانما على صعيد علاقتنا مع أنفسنا ايضا. ( الدستور )