لجنة الخصخصة: لا أحد يقول «زيتي عكر»

أكتب هذا المقال "وانا مستحي" قليلاً، فلجنة "تقييم الخصخصة" تشكلت بالأمس فقط، أي أنها لم "تتنفس" بعد، وربما لم يلتق أعضاؤها معاً لغاية الآن، وحتى لو التقوا فإنهم بالتأكيد لم يقيموا أية خصخصة بعد، وهو ما يعني أن الكتابة النقدية عنها الآن، هي ليست أكثر من "كب شر" مبكر، أو ربما "تَغْليث على المنافس" مستهدف.
(بالمناسبة وقبل أن أكمل، ربما يكون الزملاء في قسم التدقيق اللغوي في الصحيفة، كعادتهم، قد عدلوا كلمة تقييم الى "تقويم" باعتبار أن الأخيرة هي الأصح، وهم استتباعاً قد يعدلون عبارة "يقيّموا الخصخصة" الواردة أعلاه الى "يقوّموا الخصخصة"، مع ما يرافق ذلك من دلالات مقفاة لا علاقة لي بها).
نعود الى موضوعنا: فاللجنة تضم أسماء بارزة فعلاً في علم الاقتصاد، على الأقل فيما يتعلق بالأسماء المعلنة، وهي لأربعة من الخبراء الأردنيين ممن عملوا في مواقع اقتصادية/ تنموية مرموقة، أما الأسماء الثلاثة المتبقية فهي لممثلي هيئات دولية كبرى، بالمعنى الدارج لكلمة "كبرى" عندما تستخدم في هذا السياق.
الملاحظة الرئيسية أن جميع الأسماء في اللجنة تنتمي الى مدرسة واحدة فيما يتصل بالخصخصة وأخواتها، فيما تغيب كلياً المدرسة النقدية للخصخصة. وقد يقال أن أنصار هذه المدرسة في الأردن ليس من بينهم خبير في التقييم (آمل أن لا يتم تغييرها الى تقويم)، وأن أكثر هؤلاء الأنصار مجرد "شتامين" اقتصاديين، وقد يكون هذا صحيحاً، ولكن حتى في هذه الحال، علينا أن ننتبه الى أن تركيبة اللجنة ليست محلية بل دولية الى حد ما، وعند ذلك لا يمكن إنكار أن مدرسة خصوم الخصخصة حاضرة بقوة على مستوى عالمي وبالذات في الدول التي كانت سباقة الى عمليات الخصخصة.
ولكن في الأصل، كيف يتم في اللجنة تمثيل "المتهم" الأول دولياً من قبل شعوب العالم بالمسؤولية عن خلل تنموي طويل الأمد طال حياة مليارات من البشر، أقصد البنك الدولي (عن طريق مؤسسة التمويل)، في لجنة تناقش موضوع الاتهام ذاته، ولا يتم تمثيل المتضررين أو المدعين الذين لم تتشكل اللجنة إلا استجابة لاحتجاجاتهم على الخصخصة؟
يعلم كثير من أعضاء اللجنة، أن المشكلات الاقتصادية ليست مجرد خلل فني أو تقني يعالجه الفنيون والخبراء، ولا يوجد علم اقتصاد "يطيش" فوق المجتمعات، إنه علم المصالح الاجتماعية بامتياز، ولهذا يختصر كثيرون الطريق ويتحدثون عن "اقتصاد سياسي" لا مجرد اقتصاد. إن الاقتصاد السياسي ليس مجرد كلام سياسة في الاقتصاد، إن فيه أيضاً الكثير من المعادلات والجداول! بل إنه حتى في صورته الأكثر فجاجة، يعد تعبيراً مباشر عن المصالح، بينما علم الاقتصاد "النقي" مجرد تعبير مموه عن طريق الأكاذيب "العلمية".
مثلما كان يوجد لدى المؤسسات الدولية ما عرف علناً بـ"الوصفة" أو "الروشيتة" التي تتضمن الطريق الى الخصخصة، فإن لدى المؤسسات وصفة أخرى اسمها " ليس الخطأ في الخصخصة بل في تطبيقها فقط".
"لا أحد يقول عن زيته عكر"، والبنك الدولي حتى لو تكلم بالانجليزية لن يخرج عن القاعدة، وهو ممثل في اللجنة بقوة ليس فقط بممثله المعلن. إن روحه تسري في كل أركانها. وسوف أكون سعيداً لو اضطررت للاعتذار عن هذا المقال بعد انتهاء عمل اللجنة. ( العرب اليوم )