نهاية حقبة أميركية

التدخل العسكري الفرنسي المنفرد في مالي، وتشديد واشنطن على أنها لن ترسل أي جندي أميركي إلى أراضي الدولة المهددة بالتحول إلى «أفغانستان» أفريقية، واكتفاؤها بدرس احتمال تقديم مساعدة لوجستية للفرنسيين، يؤكد التحول الاستراتيجي في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الذي رسمه باراك أوباما والقائم على التخلي التدريجي عن اندفاعة الجمهوريين في خوض حروب خارجية باهظة الكلفة مادياً وبشرياً، تحت عنوان «الحرب على الإرهاب» التي تبين أنها بلا نهاية.
وموقف «المتفرج» السائد حالياً لدى الإدارة الأميركية ينسحب ولو بتفاوت، على مختلف مناطق العالم، وخصوصاً الشرق الأوسط وملفاته المتعددة. وقد لخصته الجملة التي استخدمها الرئيس الأميركي في وصف العلاقة مع النظام المصري الجديد، عندما قال: «مصر ليست عدوة وليست صديقة». الوجه الآخر لهذا الكلام هو أن أميركا ليست مستعدة لتكون صديقة أو عدوة لأي بلد ليس له تأثير مباشر على مصالحها، على رغم أهمية الدور المصري في المنطقة بشكل عام.
وهذا ما يعكسه تماماً موقف واشنطن من الأزمة السورية، حيث تفضل ترك المواجهة بين المعارضة والنظام تأخذ مسارها، إلى أن يحسم احدهما الوضع لمصلحته، معترفة في الوقت نفسه بدور القوى الدولية الأخرى والإقليمية، مثل روسيا والصين وايران، في إدارة المعركة هناك، ومستسلمة لنتائجه، ولو أنها تواصل تقديم دعمها الشفوي لدعوات التغيير، من دون التأثر كثيراً بأنباء المجازر المتكررة.
وكان «التخلي» الأميركي انعكس قبل ذلك، ولا يزال، ارتباكاً في الموقف من ملف إيران النووي، إذ أغرقت واشنطن نفسها في حسابات الفعل وردود الفعل، بين خشية من ترك طهران تواصل سياستي التخصيب والتوسع الإقليمي، والمخاطر التي يشكلها ذلك على وضع المنطقة ككل، وبين الخوف من الإقدام على تدخل مباشر قد تكون نتائجه أكثر ضرراً وخطورة وفق تقديرات بعض سياسييها، وتهدد أيضاً الوضع في المنطقة كلها.
وكانت أطراف إقليمية، مثل مصر وتركيا، لعبت بتشجيع أميركي، دوراً رئيسياً في إجبار إسرائيل على وقف حربها الأخيرة على غزة والتوصل الى هدنة تعترف ضمناً بحركة «حماس» التي لا تعترف بالدولة العبرية.
وقد عرف الروس والصينيون والإيرانيون كيف يستفيدون من هذا الضياع الأميركي، لمحاولة ملء الفراغ، فنجحوا في الملف السوري في تعطيل دور واشنطن في مجلس الأمن ومنع اتخاذ أي قرار بالتدخل ولو المحدود مثل إقامة مناطق آمنة أو حظر جوي لتعديل الخلل الكبير في ميزان القوى. كما تمكنوا في الملف الإيراني من الإبقاء على ثغرات في نظام العقوبات رغم شدته، والتحذير من عواقب خطيرة للتدخل العسكري، مما ترك لطهران رئة تتنفس منها بانتظار تراخ أميركي يطرأ مع الوقت.
ولن يمر وقت طويل قبل أن تحاول القوى الدولية استغلال «الغيبوبة» الأميركية أكثر، بالدعوة إلى مواكبة انكفاء واشنطن بتغيير في آلية اتخاذ القرار الدولي عبر تعديل تركيبة الأمم المتحدة ومجلس الأمن التابع لها، بعدما أطلقت تجمعات اقتصادية وسياسية ناشئة دعوات مماثلة.
لكن هذا الواقع الأميركي الجديد قد يكون موقتاً، ذلك أن الإدارة الديموقراطية ربما لا تنجح خلال ولاية أوباما الثانية في أن تثبت لمواطنيها فوائد تحولاتها على أوضاعهم الاقتصادية، وقد يتمكن الجمهوريون الذين يبدون مقاومة شديدة، من العودة إلى البيت الأبيض في 2017، تحدوهم رغبة جامحة في الانقلاب على «الانقلاب». ( الحياة اللندنية )