«بازار» المتاجرة بالذمم: زبائن في الجويدة .. وآخرون ينتظرون!

ثلاثة اطراف تتحمل مسؤولية «المتاجرة» بأصوات الناس وذممهم: الطرف الاول المرشحون الذين استقالوا من قيمهم واخلاقهم، ونزلوا «بالبرشوت» على حياتنا العامة، وتلوثت «ايديهم» بالفساد، واعتقد ان «المقعد» النيابي هو طريقهم الى المال والشهرة والحصانة، وهؤلاء –للأسف- افرزتهم سنوات حين تراخت الدولة عن القيام بواجباتها .
اما الطرف الثاني فهو المجتمع الذي نشأت فيه طبقة اجتماعية ذات قابلية للفساد والاستبداد، هذه «الطبقة» وجدت نفسها امام واقع جديد «فتكيفت» معه، واصبحت تنظر الى كل شيء من «ثقب» مصالحها الفردية، ليس بالضرورة ان تكون محسوبة على خط الفقر، فالفقراء الحقيقيون لا يمدون ايديهم للمال الحرام ولا يبيعون «ذممهم» مهما كان الثمن، ولكنها محسوبة على «الفقر الاخلاقي» الذي يجرد الانسان من آدميته وفطرته السليمة ويحوله الى «نفر» انتهازي وأناني.
الطرف الثالث هو المناخات السياسية والفكرية التي افرزت منظومة جديدة من «القيم» والتقاليد، حيث تقدمت –مثلا- قيمة «الشطارة» على «الكفاءة» وقيمة «الكسب» والنهب على قيم العمل والاخلاص وبذلك تصدّر «الشطار» والفهلويون المشهد، واخذوا حظوتهم في المجتمع، وتراجعت منظومة «الاخلاقيات» العامة سواء على صعيد النخب او الافراد او الدولة لدرجة ان «النظافة» السياسية اصبحت عملة نادرة، والمساءلة عن «المال» اللامشروع او «النفوذ» المشبوه غير واردة.
هذه الظاهرة ليست مرتبطة بمواسم الانتخابات فقط، فالانتخابات تكشفها ولا تنشئها، ولكنها جزءٌ من «الثقافة» المغشوشة التي اصابت مجتمعنا، وجزء من «السياسة» العمياء التي قطعت علاقة الناس بقيمهم، وعلاقة المجتمع بالدولة، وتركت «المواطنين» مجرد ايتام امام «موائد» مسمومة اقامتها مجموعة من «النخب» التي وضعت يدها على المجتمع، وحاولت ان تشكله على حسب اهوائها، وتعاملت معه بمنطق «الرق» الذي لا يرى الانسان الا من زاوية «تسخيره» لخدمته والتزامه بأوامره.
الآن، يبدو اننا انتبهنا الى خطورة «المتاجرة» بأصوات الناس وذممهم على العملية الانتخابية او مخرجاتها السياسية، فنهضنا الى إحالة بعض المتورطين من المترشحين الى «الجويدة» لكن يبقى ان ننتبه الى خطورة هذه «الظاهرة» على المجتمع، صحيح ان القانون يتيح لنا إحالة «البائع» والمشتري الى المحكمة لمحاسبتهما على جريمة المتاجرة، لكن الصحيح ايضا ان حالة «الشراء» تغلغلت داخل وعي الكثيرين واصبحت جزءا من «الممارسة» المقبولة اجتماعيا (لا تسأل هنا عن الاسباب فهي كثيرة»؛ ما يصعّب مواجهتها بسلطان القانون او حتى سلطان «الفتوى» والارشاد وحدهما؛ الامر الذي يقتضي البحث في «اصلاح المجتمع» من بوابة استعادة «قيمِه» المهاجرة اولا، وبسط قيم الدولة عليه ثانيا، وتحرير الناس فيه من سطوة الفساد والاستبداد تمهيدا لتهيئة «التربة» الاجتماعية النظيفة والتعهد برعايتها من خلال قلع ما يخرج منها من اشواك او احساك.
ليلة المطاردة في مولات «شراء الاصوات» كشفت لنا صورة «المرشحين» الذين اودعوا في «الجويدة» لكي ينالوا نصيبهم من المحاسبة، لكنها قبل ذلك كشفت لنا صورة مجتمعنا الذي تحول الى «سوق» لعرض الاصوات والذمم وبيعها في مزادات شبه علنية، وهذا بالتأكيد لا نستطيع ان نودعه في «الجويدة» ولكن يمكننا ان نصلحه «بالسياسة» النظيمة والعدالة والحرية لكي يتحرر من نفوذ الفاسدين وسطوة «الشطار» وغلاسة المفجوعين بالمناصب. ( الدستور )