الانقسام الوطني

من ما أن وصل عدد المسجلين للانتخابات النيابية إلى أقل من ثلثي من يحق لهم التصويت بعد جهود مضنية وحث غير مسبوق للتسجيل، حتى تعالت أصوات الفرح وانطلقت الأهازيج باعتبار أنّ النسبة عالية وتعدّ انتصارا على الثلث الذي لم يسجِّل، وما أن انتهى التصويت يوم أول من أمس حتى أطلقت نفس الأهازيج فرحا من ذات المنتصرين باعتبار مشاركة أكثر من نصف المسجلين يعدّ انتصارا ثانيا، وهذه المرة على غير المسجلين وغير المصوتين الذين هم معا أكثر من ثلثي الذين يحق لهم الانتخاب، أيّ أنّ الحسبة النهائية تعني فوز فريق الثلث المشارك على فريق الثلثين المقاطع.
بطبيعة الحال، فإنّ لعبة الأرقام لا تحتاج إلى ذكاء خارق عندما تتحدد بالجمع والطرح، وفي الانتخابات ها هي الأرقام تتحدّث عن نفسها جمعا وطرحا بلعبة الانتخابات، غير أنّها لا تكون كذلك عندما تتحدد بالضرب، إذ تتضاعف الأرقام ضربا, بضرب الضارب والمضروب ولا يعود سهلا معها الوقوف عند الأرقام الفعلية المضروبة بغير الحقيقية.
أمّا الآن, فإنّ النتيجة هي وجود مجلس نواب منتخب، ولم يعد مهمّاً إن هو بثلث الأصوات أو أقل منها أو أكثر, والحال يعني الانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة سيكون اللعب فيها بقواعد قديمة, إذ لن يتغيَّر حال المعارضة برفض الاعتراف العملي بالمجلس وعدم التهاون مع أيّ حكومة، فالمطالب والشروط للإصلاح ستبقى على حالها إن لم تزِد. أمّا طلب حلّ المجلس الجديد فسيظلّ مرفوعا وستكون المواجهة معه حتمية, ما يعني تحالفا مبكرا بين النواب وأيّ حكومة في مواجهة المعارضة.
في المقابل، فإنّ المعارضة ستبحث لها عن وسائل إضافية فوق ما لديها, وستعزز التحالف فيما بينها لفرض حضورها السياسي والشعبي، وهي فوق ذلك لن تقرّ بهزيمة ولن تعترف بانتصار الموالاة, وستبحث عمّا يخدش أيّ مشروعية، إن كان للمجلس أو الحكومة، ولن تعدم الوسائل لتحقيق ذلك, ما يعني أنّ الانتخابات برمّتها ومعها أيّ حكومة جديدة لن يغيّرا من واقع حال الانقسام الوطني السياسي، وهو نفسه من قبل ومن بعد. ( السبيل )