إعادة تدوير

في لحظات ؛ تتهشم الروح يأسا وإحباطا مما يُجرى، ومما يراه المرء ويسمعه من المسوؤلين عندنا، لا تجد أفقا تهرب إليه، سوى أن تُحلّق في عالم آخر، وتنظر كيف يتم التقدم فيه.
في بلادنا، كل شيء يتجه نحو المجهول، القِيَم والأخلاق والمنظومة كُلّها اعتراها البؤس، وأصاب الفسادُ أركانها، فخرجت الآراءُ علينا تلعن المجتمع، وتُمجّد الدولة، وكأن الخراب الذي يَدقّ أركاننا، لا تتحمل القوانين الرجعية والأنظمة والتعليمات المتخلفة سبَبَه المباشر.
نعيش منذ أيام فضيحة الانتخابات التي تتدحرج خروقاتها مثل كرة الثلج، وتتكشف يوميا معلومات لا يُمكن تصديقُها، أقلُّها أن أكثر مِنْ مرشح فاز بالمقعد بقوة الكلاشنكوف، أمام بَصَرِ الدولة وأركانها، وآخرَ طُلِبَ منه أن يُسامح الوطن بعد أن تبدّلت نتيجته "لأن ظلم الوطن يجب تَحمُّلِه".
ومن فضيحة الانتخابات، إلى فضائح امتحان التوجيهي التي لا تتوقف أيضا، إلى فضائح الأراضي التي تستردها الحكومة من دون أن تُحوّل مغتصبيها إلى القضاء.
سلسلة طويلة من الخَيْبات، لا تَجرَحُ الرّوح فقط، بل تجرح البيئة التي نعيش.
وعلى ذكر البيئة التي أصبحت حِمايتُها من قيَم المجتمعات المتقدمة خاصة بعد أن بلغت نسب التلوث مستويات لم تعد الأرض قادرة على التعامل معها لحفظ التوازن على كوكبنا.
أصبحت الدول والمجتمعات المتقدمة تضع حاويات خاصة لإعادة تدوير البلاستيك وأخرى للألومنيوم وأخرى للورق وهكذا.
ويبدو أنه ركوب للموجة أن نرى أن إعادة التدوير في الأردن أصبحت تشمل المسؤولين والنواب والمستشارين والوزراء، لكنها إعادة تدوير داخل العلبة ذاتها.
لم تتوقف المطالب الشعبية خلال السنتين من الحراك المتواضع، عن المطالبة بتطهير مواقع عديدة، وتغيير أشخاصها، لأنهم أصبحوا حِمْلا ثقيلَ الوزن على الدولة والنظام، يأكلون من رصيدهما، بفعل ما يتكشف يوميا عن فساد معشعش منذ سنوات في مؤسسات كثيرة.
مسؤولون ومستشارون، يحجبون المعلومات الحقيقية عن صانع القرار، ويمررون ما يرغبون فيه من معلومات، ويزكون شخصيات تشبههم، ويبعدون مَن يخافون على البلاد أكثر مما يخافون على أنفسهم وأموالهم وأهليهم.
في لحظات التغيير، تُفتَح العُلبة ذاتها، وتتم إعادة التدوير بطريقة وكأن العالم لم يتغير، وكل المطالب الشعبية هباء منثورا، فيستحضر الناس مسرحية دريد لحام "غوار" "غربة"، عندما خرج نهاد قلعي "حسني البورزان"، بعدة شخصيات، للمختار، والمختار الجديد، ومختاركم الجديد جدا جدا، وما كان يتغير فيه سوى "الطنجرة" على الرأس.
"غربة" في زمن التنفيس السياسي، وغربة مؤلمة في الوطن، في زمن الربيع العربي، وفي المعلومات أن رئيس الوزراء لحكومة الـ 111 ليس بعيدا عن بورصة الترشح للحكومة البرلمانية، فكل ما يحدث هو إعادة تدوير لكل شيء في بلادنا، من الوزراء وابنائهم، والنواب وتوريثهم، والمستشارين وخلانهم، والمسؤولين وحماة ظهورهم . ( العرب اليوم )