لماذا ارتفعت المشاركة الفلسطينية في الانتخابات؟

داخلياً وخارجياً، يعد حجم التصويت الفلسطيني من الأمور الهامة عند متابعي الانتخابات الأردنية، وكل طرف له أسبابه الخاصة.
أرجو ان يسمح لي القارئ بتوضيح سريع للمنهج الذي اتبعته في الوصول الى الفكرة التي سأعرضها في هذا المقال. فعندما يتعلق الأمر بالبحث في مزاج انتخابي شعبي، فإن الاكتفاء بما تقوله النخبة او تكتبه يعد تعدياً على الواقع.
بالنسبة لي قمت في انتخابات الأعوام 2003 ثم 2007 ثم مؤخراً 2013 بعمل ميداني، تتبعت فيه ما يمكن ان نسمية الانتخابات الأولية، أي الطرق التي اتبعها الناس في اختيار مرشحيهم، وفي المرة الأخيرة كان البحث يتركز حول فكرة القوائم العامة باعتبارها خطوة جديدة، وقد قمت بتتبع سيرة تشيكل أكثر من نصف القوائم، وزرت عدة مقرات لمرشحيها، بهدف الاطلاع ليس على مواقف المرشحين بل على مواقف وزوايا نظر مناصريهم، وأجريت العديد من المقابلات الفردية والجماعية، المفتوحة والمغلقة، وغير ذلك من تفاصيل منهجية أزعم انها تعطي تصوراً أكثر دقة عن حالة المزاج العام الشعبي، والأفكار المكونة له والسياقات التي يتخذها.
فيما يخص موضوع ارتفاع حجم التصويت الفلسطيني، سأحاول تقديم إجابة حول علاقة ذلك بفهم مسألة التمثيل السياسي، مع إشارة مسبقة مهمة هي أن الكلام هنا يتناول المستوى الشعبي وليس مستوى النخب:
باختصار شديد، أستطيع أن أجزم أن الجمهور الفلسطيني في الأردن عندما يتعرض لسؤال الهوية السياسية، بمعنى أين يرى، أو يريد أن يرى، نفسه سياسياً، فإن إجابته بشكل واضح ستكون: "فلسطين" بالدجة الأولى. والفلسطينيون المشاركون في الانتخابات لا يعتبرون ذلك جزءاً من عملية تمثيل سياسي لهم، إنهم يرون في الأمر تمثيلاً محلياً للمجتمع أو الجماعة المحلية. وفي المواقع التي يسكنها فلسطينيون فقط كمخيم البقعة على سبيل المثال، فإن المواطنين عندما يتعلق الأمر بشأن التمثيل السياسي، يتابعون انتخابات الضفة وغزة بعناية سياسية أكثر، مع الأخذ بالاعتبار الحالة السياسية العامة. وإذا أراد أحد أن يعرف تقييمي لذلك فأنا اعتبره أمراً ايجابياً بالمطلق، بل يمكن لقوى حية وطنية أردنية أو فلسطينية أن تبني عليه.
كمثال آخر، اسمحوا لي بالتذكير بالأجواء التي سادت قبيل انتخابات 2010، فحينها كان كثيرون "يتخوفون" من الدعاية الكثيفة حول مسأة المحاصصة السياسية، بل قيل حينها أن تعديل القانون وزيادة مقاعد بعض الدوائر جاء لهذا الهدف، وكانت النتيجة مغايرة بالكامل، وأستطيع أن أغامر باستنتاج يقول: إن الجمهور الفلسطيني "عاقَبَ" حينها، ومن خلال امتناعه عن المشاركة، كلاً من الفريقين: أنصار المحاصصة الى جانب المتخوفين من الاستجابة لها. ولعلكم تلاحظون هذه السنة أيضاً أن الجمهور الفلسطيني لم يلب رغبة أنصار المحاصصة الواضحين، وقدم دعمه وصوته لفكرة "متوسطة" تستجيب للتأكيد على الشعار الوطني الفلسطيني ولكنها تسمح بزيادة التمثيل أو زيادة الحضور للمجتمع المحلي او الجماعات المحلية.
ما الجديد هذا العام؟ أرجو ان تشاركوني الاهتمام بكلمتين تكررتا على لسان كثيرين في الأوساط الفلسطينية وفي مواقع مختلفة، هما: "الأمن والأمان". لقد رأى جمهور واسع من المواطنين من أصول فلسطينية وبعضهم يشارك لأول مرة، أن مشاركته تسهم في تعزيز وتثبيت "الأمن والأمان"، هكذا كانت الكلمتان تردان في كلام، اصحابه يعيشون في مواقع متباعدة. وبالطبع فإن فهم العلاقة الفعلية بين المشاركة وبين "الأمن والأمان" يحتاج الى مزيد من التقصي، ولكن يمكنني القول أن "كلمة السر" تكمن في هاتين الكلمتين. بالطبع مع إدراكي أن الاهتمام بالأمن والأمان لا يقتصر على مكون واحد، لكن موضوعنا هنا يتعلق بالعنصر الرئيسي في كل حالة.
ومرة أخرى، إن الكلام السابق يخص الأوساط الشعبية، ذلك أن النخب لها حساباتها المختلفة . ( العرب اليوم )