"اللزوجة" في العمل السياسي: بمناسبة فوز الوسط الاسلامي

قبل مواصلة الكتابة، أرجو ان اوضح أن اللزوجة ليست أمراً مذموماً بالمطلق، فهي كغيرها من حالات المادة قد تكون ضرورية أو مطلوبة على أن يجري ذلك في ظروف محددة بعناية، حيث أن استخدامك المادة اللزجة بينما أنت بحاجة الى مادة صلبة مثلاً، قد تكون له تداعيات سلبية جداً. إن المواد اللزجة كالشحوم والزيوت لا بديل عنها لتحريك الماكنات، بما في ذلك بالتأكيد الماكنة السياسية.
تعود فكرة "الوسط الاسلامي" الى ما قبل التأسيس الرسمي للحزب عام 2001، فمنذ تصاعد الخلاف بين الحكم وجماعة الاخوان في منتصف عقد التسعينيات، برزت داخل الاخوان مجموعات مرنة متبدلة العضوية، تكبر وتصغر، تقوى وتضعف، تظهر وتتوارى، وفق الظروف، ولكن الصورة العامة لها في المشهد السياسي أنها أقرب الى ما يمكن تسميته الموالاة الاسلامية، وفي الكلام السياسي الدارج، كان يمكن العثور على مفاهيم متناقضة لوصفهم مثل: "ناس عاقلين" او "إخوان رايقين" أو "إخوان سكر خفيف"، أو "يد الدولة في الاخوان"، وما شابه ذلك.
بعد تأسيس الحزب، حقق "الوسط" قدراً ملحوظاً من الاستقلالية عن الاخوان، لا سيما وأن الأخيرين دخلوا في تقسيمات جديدة ومسميات جديدة، ونشأت لديهم أسماء أكثر شهرة من اسم الوسط، مثل الحمائم والصقور والتيار ثالث.
لكن الوسط الاسلامي رغم إعلانه كحزب بوثائق وهيئات وفروع وخلافه، لم يكتمل كظاهرة سياسية، وفي الواقع يصعب العثور على فكرة كبرى ذات بال يمكن ان نعيدها الى هذا الحزب، لا في السياسة ولا في الاقتصاد ولا في الاجتماع ولا في التنمية. وكل ما هو موجود كلام عام. ولكي لا نظلم الحزب، فإن الحركة الاسلامية الأردنية ككل (مثلها في ذلك مثل القومية والشيوعية) لم تقدم فكرة كبرى أو مشروعاً يمكن ان يسجل باسمها حصرياً، ولا زالت الى الآن تنظر حولها قبل أن تقول رأياً.
بقي حزب الوسط الاسلامي عند كل موقف، ينظر بإحدى عينيه الى الإخوان وبالعين الأخرى الى الحكم، ثم يبحث عن موقع بينهما. وفي الممارسة العملية، مالت قياداته الى تكتيك خاص، فأتقنت الانسياب بين الفواصل والمفاصل، وكنت تعثر على أجزاء من الجسم ذاته في مواقع متعددة بفضل المرونة الزائدة والقدرة على الالتواء والمط والتقليص. وفي الانتخابات الأخيرة حقق الحزب فوزاً، لكنه لم يستطع حسم العدد مباشرة، بانتظار تعزيز صفوفه بفائزين لهم المهارات ذاتها المشار اليها أعلاه.
خلال العقد الأخير، أسهم الحزب الى جانب قوى وشخصيات تنتمي الى تيارات أخرى، في "تشحيم" الحياة السياسية في البلد، وخاصة عند الأزمات، ولكن من سوء الحظ أن الشحمة لوحدها، لا يمكن ان تحل محل الماكنة او جزء منها، وإذا حصل ذلك في الأردن، فإننا سنكون أمام معجزة في تكنولوجيا السياسة. ( العرب اليوم )