سوريا وهزيمة المنتصـر
تعامل النظام السوري مع دعوات بعض أوساط المعارضة (الخطيب، مناع) للحوار، بوصفها تعبيراً عن “انتصاره المؤزّر” في حربه المفتوحة مع “المؤامرة”..وأخذ الناطقون باسمه يتحدثون بلغة “عودة الابن الضال”، فيما ذهب أكثرهم إسفافاً إلى إطلاق أقذع الأوصاف، بحق أكثر رموز المعارضة السورية اعتدالاً: الداعون للحوار.
ولقد حدث أسوأ ما في كوابيسنا، عندما قلنا في معرض تقييم مبادرة الشيخ الخطيب، بأن أخطر ما يتهددها إنما يكمن في موقف النظام منها، وليس فقط في انقسام المعارضة حولها..وثمة ما يشي بأن النظام يعمل على “جعل حياة المعتدلين من المعارضة” جحيماً لا يطاق، فكأنه لا يكفيهم ما يواجهونه من ضغوط من دول “المحور إياه” ومن ابتزاز من رفاق الدرب، حتى يطلع عليهم النظام بحملات لا هدف لها سوى تدمير صدقيتهم وقطع الطريق على محاولتهم.
من بين ما يقوله أركان النظام، وفيما يشبه الشروط المسبقة لقبول الحوار مع معارضيه، أن الدعوة للحوار يجب أن تعبر عن قناعة عميقة لدى هؤلاء، وليس رجع صدى للتغييرات في المشهد الدولي”..لا أدري كيف يمكن التمييز بين هذه وتلك، وهل سيُخضع النظام معارضيه ومحاوريه، لفحص “دي أن إيه” قبل الجلوس على مائدة الحوار لسبر أغوار نواياهم، وليس أقوالهم وافعالهم فحسب؟
كان يتعين على النظام أن يتلقف مبادرة الحوار التي أطلقها الخطيب ومنّاع، ويبعث بوفد رئاسي إلى القاهرة وجنيف للالتقاء بهم، ومن دون شروط مسبقة، وبنوايا حسنة، إن هو أراد فعلاً الخروج بسوريا من المأزق الذي يعتصرها..لكنه بدل ذلك، بدأ يتلكأ وعاد لممارسة هوايته القديمة في “شيطنة” خصومه ومعارضيه، ونزع صفة المواطنة والوطنية عنهم.
حتى بالمعنى التكتيكي، كان يتعين على النظام التقاط مبادرة الحوار، إن لم يكن من أجل الحوار والحل، فأقله من أجل شق المعارضة على نفسها، وتأجيج خلافاتها الداخلية، وإلقاء الكرة في ملعبها..لكن كره النظام للمعارضة، وإنكاره التاريخي لوجودها، تجعله يلحق أفدح الضرر حتى بأضيق مصالحه الأنانية.
إن أخطر ما تواجهه محاولات التوصل إلى حل سياسي للأزمة السورية، هو اقتناع النظام بأنه “نجا بجلده”، وأن الأزمة في ربع ساعتها الأخير...وأن العالم سينحني عند أقدام الأسد معتذراً عما بدر منه..والنظام كما تشي “التحليلات العبقرية” لرموزه والناطقين باسمه، يتصرف بوصفه “المنتصر” وخصومه “الخاسرون” في الصراع الدائر في سوريا وعليها.
هذه المقاربة، تعيد إنتاج مأساة الحاكم العربي، الذي أحال الهزيمة في حزيران 67 إلى نصر، لمجرد أن الحاكم بقي على مقعده، في حين هدفت “المؤامرة” إلى إزاحته عنه..الأسد يظن أن مطلب إسقاطه قد تراجع، وأن فرص بقائه على عرشه في تعاظم، لذا بدأ الناطقون باسمه بإطلاق صحيات النصر..مع أن لا منتصر في سوريا، النظام مهزوم والمعارضة مهزومة وسوريا التي لن تقوم لها قائمة خلال ربع القرن القادم، مهزومة...لا منتصر أبداً في سوريا...الجميع مهزومون.
نعم، هناك مؤشرات قوية دالّة على حدوث تحوّل في المواقف الإقليمية والدولية..وهناك مؤشرات أوضح على جنوح متعاظم لصالح خيار الحل السياسي..لكن من قال أن هذا يعني تلقائياً بقاء الأسد..من قال أن رغبة المجتمع الدولي في حفظ النظام السوري، تعني قبوله ببقاء رئيسه...ومن قال أن الأسد بفرض بقائه في موقعه، سيبقى محتفظاً بسلطاته وصلاحياته..من قال أن العملية السياسية التي سيطلقها أي مشروع حل سياسي، ستنتهي ببقاء الأسد ومرتكزات نظامه..ومن قال أن “التسوية الدولية” المنتظرة ستقوم على عودة القديم على قدمه..من قال أن سوريا ستعود لما كانت عليه من قبل، وفقاً لأي سيناريو من السيناريوهات. ( الدستور )