حوار خارج «جدول الأعمال»

تم نشره الخميس 07 شباط / فبراير 2013 01:12 صباحاً
حوار خارج «جدول الأعمال»
عريب الرنتاوي

ارتسمت المفاجأة والوجوم على بعض الوجوه المشاركة في اجتماعات “الجمعية العام 58 للنيتو في روما”..ما كان أحد لينتظر أن تتحول إحدى جلسات المنتدى الرئيسية إلى منصة لمناقشة القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، وأثر كل منهما على الأمن والاستقرار في حوض البحر المتوسط..فقد انسحب هذا الموضوع من التداول، ولم يعد مدرجاً على أجندة المنطقة والمجتمع الدولي.

على مدى يومين، تطرق المتحدثون لكل صغيرة وكبيرة، وتناولوا كل شاردة وواردة في المنطقة..لكن أحداً (بمن في ذلك المشاركون العرب)، لم يأت على ذكر الصراع العربي – الإسرائيلي، الذي بات يُعرّف باسم آخر: “عملية السلام في المنطقة”، اللهم باستثناء متحدثة أمريكية ذكرته في معرض النفي بأن باراك أوباما في ولايته الثانية، سيبحث عن “مجد شخصي” يُسجّل في تاريخ الرؤساء الأمريكيين، بإحياء عملية السلام في الشرق الأوسط، أو في الحرب على الإرهاب، مرجحة أن يتم ذلك بالتوجه شطر الباسيفيك وآسيا.

حالة التجاهل والإنكار هذه، اضطرت كاتب هذه السطور، لتعديل “ورقته المُعدّة مسبقاً” للمؤتمر، والتي خصصها للحديث عن خمسة تحديات كبرى تتهدد الأمن والاستقرار، وتنذر بإعادة رسم الخرائط والتحالفات، وإعادة صياغة أحجام القوى وتحالفاتها: (1) الصراع العربي الإسرائيلي..(2) الانقسام المذهبي العميق (الفالق السني – الشيعي) وما يحمله من خطر تفتت كيانات ونشوء أخرى..(3) التهديدات المحيطة بأمن الطاقة والخليج من داخل المنطقة الغنية ومن خارجها..(4) خطر انتشار أسلحة الدمار الشامل...(5) تعاظم دور الحركات العنفية والجهادية (الإرهابية)، منذ عراق ما بعد صدام، مروراً بليبيا ما بعد القذافي، وانتهاء بسوريا اليوم.

لم يبق أحد من المتحدثين لم يأت ذكر مختلف التهديدات والتحديات، لذا اكتفى كاتب هذه السطور بتناول التهديد الأول: القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، معترفاً بأن موقع هذه القضية على جدول أعمال المنطقة، قد تراجع للوراء، لصالح صراعات أكثر تفاقماً ودموية وأزمات أكثر تفجراً، أقله على المدى التكتيكي والمنظور.

صحيح أن المنطقة لا تواجه خطر اندلاع حروب عربية إسرائيلية واسعة، تشترك فيها دول الجوار القريب أو البعيد، وأن مصر، كالعراق وسوريا، بحاجة لعقد أو عقدين على الأقل، لكي تتعافى من أزماتها المتراكمة، وتجد لنفسها موطئ قدم تحت شمس الشرق الأوسط الحارقة...لكن الصحيح كذلك، أن إسرائيل ستواجه سلسلة من “حروب الوكالة” مع عدد متزايد من اللاعبين اللادولاتيينNon-State Actors، منها ما هو قائم فعلاً كحزب الله وحماس والجهاد، ومنها ما قد يتشكل في المستقبل، لا سيما إذا ما آلت الأوضاع في سوريا والعراق إلى حالة من الانقسام والتقسيم و”الدولة الفاشلة”.

ثم، أن الأفق محمّل بإرهاصات ارتفاع منسوب الغضب الشعبي الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي، وعدم الرضا على حالة “الصمت” و”الخضوع” التي تجعل منه احتلالاً غير مكلف (خمس نجوم)..وثمة ما ينبئ بأن استمرار الفشل الذي يلاحق عملية السلام، سوف يدفع الفلسطينيين دفعاً لانتفاضة ثالثة، تعيد موضعة قضيتهم على جدول أعمال التاريخ والمستقبل والسياسة الدولية.

ثمة كثيرون في الغرب (والأطلسي بالطبع) لايرغبون بالاستماع لمثل هذه التقديرات، لضيقهم الشديد باستطالة أمد هذا الصراع وإخفاق محاولات تسويته، أو إرضاء لإسرائيل التي لا تريد لأحد على الإطلاق أن يتذكر احتلالاتها القديمة والمتجددة للأراضي الفلسطينية والعربية..ويزداد الأمر سوءاً لدى هؤلاء حين تأتي في معرض حديثك على ذكر إشارات من نوع:

أولاً: أن الشرق الأوسط، إما أن يكون خالياً تماماً، من أسلحة الدمار الشامل، وبما يشمل الدولة الوحيدة المُثبت امتلاكها لهذا السلاح (إسرائيل)..وإما أن يكون منصة لسباق تسلح نووي وغير تقليدي، شرعي ومبرر..وأن خطر “بوشهر” لا يقل تهديداً لأمن المنطقة وسلامه شعوبها عن خطر”ديمونا”.

ثانياً: أن التطرف الديني والقومي، ليس ميزة ينفرد بها العرب عن غيرهم، فإسرائيل تتعرض لموجات متعاقبة من التطرف الديني (الحريدي) والقومي، والمجتمع الإسرائيلي ما عاد قادراً على إنتاج حكومات من خارج نادي اليمين واليمين المتطرف قومياً ودينياً..وأن ما يميز تطرف الإسرائيليين عن تطرف العرب، هو أن الأول يحظى بتجاهل كامل من الاعلام الدولي، فيما يحظى الثاني، بتغطية إعلامية كثيفة، تصل حد المبالغة والتضخيم.

ثالثاً: أن الإرهاب ظاهرة تتكثف في المجتمعات العربية والإسلامية، لأسباب لا مجال للخوض بها، بيد أنه ليس حكراً عليها وحدها..فما يمارسه 600 ألف مستوطن أو يزيد، هو الإرهاب بعينه، وهؤلاء لديهم “ميليشيات” مسلحة، ويتحولون مع الأيام إلى “لاعب لا دولاتي” أيضاً، واللوبي الذي يمثلهم بات قوة ثالثة في إسرائيل (دع عنك إرهاب الدولة الرسمي المنظم).

رابعاً: وأن الانقسامات الدينية والمذهبية، ونزوع المنطقة إلى التفتت إلى كانتونات على مقاس المذاهب وحدودها وخرائطها، هو أمر خطير فعلاً..بيد أنه أيضاً، ليس ظاهرة حصرية بالعالم العربي، وإلا كيف نفسر التهافت والتهالك الإسرائيليين على شعار “يهودية الدولة”، وبم يختلف هذا الشعار عن مشاريع “الدولة الإسلامية”، سنيّة كانت أم شيعية..أو عن بعض الدعوات الانعزالية والانفصالية عن بعض المذاهب والأقوام في المشرق العربي.

للحقيقة والإنصاف، مثل هذا الحديث يلقى هوى وصدى عند بعض الأوساط الغربية، بيد أنه يقع كالصاعقة على رؤوس الإسرائيليين وأصدقائهم الذي استمرأوا غياب هذا العنوان عن مختلف المحافل الدولية، لصالح أزمات المنطقة وحروبها المتنقله.

إن إعادة الاعتبار لهذه المسألة، أمر بالغ الأهمية..صحيح أن كلمة في مؤتمر، لن تغير جدول الأعمال أو الأولويات، لكن يكفي أن ربع الوقت المخصص للمؤتمر، قد كُرّس لمناقشة هذا الموضوع، ومن خارج جدول الأعمال، حتى يدرك من يريد التعرف على المنطقة حقاً، بأن التجاهل والإنكار ليسا من السياسة في شيء. ( الدستور )



مواضيع ساخنة اخرى
الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية
" الصحة " :  97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم " الصحة " : 97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم
الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع
3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار 3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار
الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن
العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا
" الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار " الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار
العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا
الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي
بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان
عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي
إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن
تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام
ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي
الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة
الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات