أهداف العنف والفوضى في مصر

هل ثمة أخطاء لمرسي والإخوان في مصر؟ مؤكد، لكن ما يجري على الأرض لا صلة له بتلك الأخطاء، وفي مقدمتها في اعتقادي تشكيل حكومة تكنوقراط بعد الثورة؛ الأمر الذي لم يكن موفقا، إذ كان الأصل هو تشكيل حكومة ائتلاف وطني من مختلف الأحزاب التي فازت في انتخابات مجلس الشعب الذي حلته دستورية مبارك.
ماذا لو حاول مرسي ذلك؟ هل كان سيوفق في تشكيل الحكومة؟ ليس مؤكدا، إذ كيف سيقتنع صباحي مثلا أن حزبه (الكرامة) لم يحصل على شيء يذكر في الانتخابات، بل فاز هو شخصيا فيها على قوائم الحرية والعدالة؟!
وإذا جئنا نتحدث عن الاستحواذ و”الأخونة” التي يتحدثون عنها، أو حتى الإصرار على تمرير الدستور رغم اعتراضات البعض، فماذا يقول هؤلاء وأولئك مثلا في التجربة التونسية التي قدمت فيها حركة النهضة تنازلات كبرى من أجل الائتلاف مع القوى الأخرى، لكن المعركة ضدها من داخل “الترويكا” ومن خارجها في الشارع لم تتوقف، وها هي مشاورات تعديل الحكومة تؤكد ذلك، ولا تسأل بعد ذلك عن تنازلات الحركة على صعيد النصوص الدستورية التي يمكن أن تثير الأطراف الأخرى.
فلندع الكلام الجدلي، ولنتحدث بصراحة. إن هناك فئات من اليساريين والعلمانيين لا زالوا يعتقدون أن الإسلاميين لا يصلحون إلا للسجون، وربما المساجد بكثير من القيود حتى لا يضللوا الناس وينشروا الفكر الظلامي!!
دعك هنا من مؤامرة حقيقية يصر البعض على تسخيفها تتعلق بموقف أنظمة عربية تطارد هذه التجارب كي تفشل كجزء من حربها ضد الربيع العربي كي لا يصل إليها، ولا يقولنّ أحد أن هذه الأنظمة تتحرك دون رضا الغرب؛ هي التي لم يعرف عنها أنها تقول له (لا) إلا في حالات نادرة.
ولا تتعلق المسألة هنا بهذه الفئات اليسارية والعلمانية فقط، وإنما بمؤسسات الدولة (بخاصة الأمنية والعسكرية)، تلك التي لا ترتاح للوضع الجديد، ومعها طبقة المال التي أثرت من خلال علاقاتها مع النظام السابق، بخاصة في مصر، وكذلك الحال في تونس، والأخيرة هي التي تتولى تحريك البلطجية، بينما يتكفل المعارضون الآخرون بمنح الغطاء السياسي للعنف والفوضى التي يثيرونها.
ما يجري في مصر هو مسعىً لانقلاب منظم، والإشارات واضحة كل الوضوح، وما المطالب التي تطرح سوى محاولة للتعجيز، أو لفرض الاستسلام، فالعين مصوبة على عنف وفوضى تؤدي إلى تدخل الجيش ومن ثم إجراء انتخابات رئاسية وكتابة دستور جديد، والنتيجة هي العودة إلى نقطة الصفر. ولا يعرف حينها كيف سيتم التعامل مع الإسلاميين، إذ يرجح أنهم سيتعرضون لعمليات انتقامية لم يتورط فيها النظام السابق نفسه، وإلا ما معنى أن تتضمن شروط جبهة الإنقاذ تصويب وضع جماعة الإخوان المسلمين الذي يعني حلها بكل بساطة؛ الأمر الذي سيكون مدخلا لمحاكمات واعتقالات؟!
إنهم يكذبون ويكذبون ويمارسون حربا من خلال فضائيات لا همَّ لها إلا مطاردة الرئيس. وهم لو كانوا مقتنعين أنهم سيفوزون في انتخابات مجلس الشعب لاستمروا في حملتهم وصولا إلى الانتخابات بدل إعلان مقاطعتها واستدعاء الانقلاب، لكنهم يعرفون أن العنف والفوضى التي ينشرونها في الشارع تزيد في عزلتهم الشعبية، وبالتالي لا مجال إلا لاستمرار العنف والفوضى وصولا إلى الانقلاب (أدركوا حقيقة الوضع في استفتاء الدستور).
يطرحون ذرائع بلا معنى، بدءا من حكاية الدكتاتور التي يفضحها أنهم إزاء رئيس يدعوهم لانتخابات يشرف عليها قضاء هو أقرب للمعارضة منه للرئيس والإسلاميين، ويقولون حكومة إنقاذ وطني ويأتي الرد أن الانتخابات ستجرى بعد ثلاثة أشهر، فلماذا الحكومة الجديدة إذا كانت الحكومة ستشكل بعد الانتخابات مباشرة؟!
أما حكاية “الأخونة” فهي سخيفة أيما سخف، لأن مؤسسات الدولة العميقة لا زالت هنا ولم يحصل الإسلاميون منها على شيء يذكر، ولو علم أولئك أن هناك “أخونة” بالفعل، لما تجرؤوا على هذا النحو.
لقد ضاق الناس بهذه الفوضى التي تلبس ثوب المعارضة السياسية، والتي تستخدم العنف ضد مؤسسات الدولة وضد رجال الأمن، وحين يحدث تجاوز من الطرف الأخير الذي لم يتغير سلوكه بعد، ولن يتغير في زمن محدود، حتى يدبوا الصوت متهمين الرئيس بالمسؤولية عن الدماء.
إنها لعبة لا تنتمي لعالم السياسة النظيفة، بقدر ما تنتمي إلى عوالم البلطجة والفجور، والإسلاميون ليس لديهم من خيار سوى استمرار التعامل مع هذا الوضع وصولا إلى الانتخابات إذا لم تحدث مفاجآت على الأرض على النحو الذي يتمناه أولئك.
الإسلاميون يعانون من ضعف الحضور الإعلامي وقلة المتحدثين، لكن الرئيس يمكن أن يجبر هذه الحالة باستمرار التواصل مع الناس ووضعهم في صورة الوضع، وعدم انتظار وقوع أحداث كبيرة، فضلا عن التفاهم مع القوى الرافضة لعنف جبهة الإنقاذ من أجل عزلها والوصول إلى كلمة سواء لإنقاذ البلاد من العنف والفوضى. ( الدستور )