تحولات (المذهبية) وخطورة استدعاء التاريخ

تم نشره الجمعة 08 شباط / فبراير 2013 01:17 صباحاً
تحولات (المذهبية) وخطورة استدعاء التاريخ
حسين الرواشدة

 

شهد العالم الاسلامي منذ اوائل القرن الثاني الهجري ، وحتى منتصف القرن الرابع نحو (140) مدرسة ومذهبا فقهيا لم يبق منها في هذا القرن سوى ثمانية مذاهب معتبرة فيما بادت الاخرى او بقي من اتباعها النزر القليل .

لدى السنة اربعة مذاهب يتعبدون من خلالها هي الحنفية والشافعية و المالكية و الحنبلية ولدى الشعية عشرات الفرق ، المعتدلة و الغالية ، لكن اهمها الاثناعشرية التي اعتبرها الازهر الشريف في بداية الخمسينيات المذهب الاسلامي الخامس .. الى جانب ذلك تفيض كتب الملل والنحل والفرق الاسلامية بمئات (الاسماء) لمذاهب وجماعات وفرق اسلامية تنوعت في فكرها ومبادئها وممارستها الى درجة ان بعضها خرج كثيرا عن اجماع الامة وما استقر عليه علماؤها من اتفاق .

هل كان ظهور المذاهب هذا تعبيرا عن تطور في العقلية الاسلامية ، وسدّا للفراغ الذي تركه غياب الرسول عليه السلام وانقطاع الوحي ؟ هل اثرت المذاهب الفكر الاسلامي واغنت الحضارة الاسلامية ؟ هل الالتزام المذهبي بدعة ام أن اللامذهبية خطر على الامة ، بمعنى هل نريد اسلاما بلا مذاهب ام اسلاما تكون اعمدته الاساسية هي المذاهب ؟ ماذا تقول تجربتنا الاسلامية في هذه التعددية المذهبية ، اين اغنت واثرت واين انتهت الى الحروب الطائفية ...الخ ؟؟

لا نعدم – بالبطع – من اجاب على هذه الاسئلة وغيرها بإسهاب، وان اختلفت هذه الاجابات وتضاربت لكن ما يعنينا –اليوم- هو التأكيد على مسألتين : احداهما ان المذاهب الاسلامية المعتبرة( وهي مدارس فكرية وفقهية بالأساس) تتفق على الأصول وعلى كثير من الفروع ، وأن الاختلاف بينها وفي داخل بعضها ايضا لا يخرج عن الاختلاف المحمود الذي دعت اليه الشريعة ، وبالتالي فإن ما استقر عليه علماء هذه المذاهب من اتفاق على المشترك ينفي كل ما يشاع حول افتراقها عن الاسلام او اباحة تكفير اصحابها ، وهذا ما أشار اليه اغلبية العلماء المعاصرين من كافة المذاهب الاسلامية ، المسألة الثانية : أن هنالك فرقا اخرى خرجت عن المذاهب او منها, وجنحت الى الغلو والتطرف و التكفير ، وهذه الجماعات لا يجوز ان تحسب على فقه المذاهب لأن لديها فكرا خاصا بها ، وهي موجودة لدى السنة و الشيعة وتتجاوزهم ايضا الى حركات وجماعات اخرى تدعى الانتساب الى الاسلام ولا علاقة لها ( بالمذاهب) المعتبرة التي ندعو الى احترامها و التقريب بين اتباعها باستمرار.

في الاسلام تعتبر التعددية –بأشكالها- فريضة ، وهي الى جانب الوحدانية ركيزتان يقوم عليهما التصور الاسلامي للكون والحياة ، وهذه التعددية تشمل اعتراف المسلم بحق أخيه المسلم في الاختلاف معه ضمن اطار الوحدة التي دعا اليها الدين ، كما تشمل اعتراف المسلم بحق الآخر في الاختلاف معه في الدين والثقافة ..إلخ ، ويكفي هنا ان الاسلام لايقبل ايمانا فيه شائبة اكراه ، وأن عنوان (التسامح) مع الاخر (دعك من المسلم مع أخيه) يصل الى درجة دفعت الامام ابي حنيفة الى اصدار فتوى تفرض على المسلم الذي اراق خمر الذمي ان يغرم بها .

باختصار ، لا خوف من المذهبية الدينية أو الفقهية ، وانما الخوف من تحول هذه المذهبية –تبعا لاستدعاءات تاريخية وقومية- الى مذهبيات (سياسية) تتوالد عنها حروب طائفية ، وهنا تقع المشكلة ، حيث تتغلب المراسيم والتقاليد الوطنية والقومية على المفاهيم و القيم الاسلامية ، وحيث يحيّد الاسلام كله جانبا لمصلحة مصالح شخصية ، وتجيّر التعددية في المناهج و الافكار لحساب تعددية عصبية وقداسة طائفية .

الاسلام –بالطبع- يتسع للجميع ، المسلمين وغير المسلمين ، ومن الأسف ان الذين يحاولون تضييقه على انفسهم وعلى اخوانهم وعلى العالمين ايضا ، لا يفهمون حقيقة هذا الدين الذين اعتمد مبادئ الحرية و العدالة و الكرامة الانسانية وفريضة التعدد و الاختلاف كخارطة طريق لأي علاقة سلمية بين الارض و السماء ,أو بين الناس أجمعين .

اذن،دينيا وانسانيا وسياسيا ،ثمة ضرورة لاحترام (المذهبية الفقهية) و الانتباه لخطورة اللعب فيها أو تحويلها الى مذهبية سياسية.. ويكفي - هنا - ان نشير الى تجربة واحدة تركت - وما تزال - بذورا من النزاع بين اتباع المذاهب في عالمنا الاسلامي. بطل هذه التجربة اسماعيل الصفوي الذي لقبه اعوانه بأبي المظفر شاه اسماعيل الهادي الوالي الذي تمكن من حسم الصراع مع احدى الاسر التي تحكم ايران وتوج نفسه حاكما ولم يكن يتجاوز من العمر الرابعة عشرة (م1502). آنذاك كانت ايران سنية المذهب ، لكن اسماعيل فرض المذهب الشيعي كمذهب رسمي للدولة.

وتذكر كتب التاريخ ان الناس استقبلوا هذا القرار بالرفض ، حتى ان علماء الشيعة انفسهم قالوا له: ان ثلاثة ارباع سكان تبريز (وهي العاصمة التي توجهها للدولة) من السنة ، ولا يعرفون شيئا عن المذهب الشيعي.. لكن الرجل لم يصغ اليهم وفرض المذهب بحد السيف.

امتدت انظار اسماعيل الى قبائل الأوزبك التي اتخذ زعيمها محمد شيبان من مدينة سمرقند عاصمة له ، وبدأ التراشق المذهبي بين الرجلين ، الى ان تقابلا في معركة فاصلة انتهت الى انتصار اسماعيل واعلان المذهب الشيعي رسميا على أهل هذه المناطق.

على الجانب الآخر كانت الدولة العثمانية السنية تنظر بعين الشك والخوف لمحاولات اسماعيل تشييع السكان وقمع (السنة) منهم ، فتحرك السلطان سليم الأول (م1514) لمحاربة الصفويين ، والتقيا في صحراء (جالديران) وتمكن السلطان من هزيمة اسماعيل لكن الصراع لم يحسم آنذاك ، إذ بقي الرجلان يتربصان ببعضهما حتى وافتهما المنية. وفي التفاصيل ان السلطان سليم كان يبحث عن ذرائع للحرب ضد الصفويين فلم يجد سوى التغلغل الشيعي داخل دولته سببا لذلك ، فأمر بحصر اعداد الشيعة بصورة سرية ، ثم أمر بقتلهم جميعا في مذبحة رهيبة بلغ عدد ضحاياها (40الفا) ، وفي التفاصيل - ايضا - ان الهزيمة التي لقيها اسماعيل الصفوي تركت آثارا قاسية في نفسه ، فانصرف الى العزلة ، وارتدى لباسا اسود اللون ووضع على رأسه عمامة ، وكتب على اعلامه السوداء كلمة (القصاص) ، وانصرف الى معاقرة الخمر حتى ادمنها وشغل نفسه بطريقة الانتقام من غريمه سليم الاول.

لم تنته الصفوية بوفاة زعيمها اسماعيل ، لكنها بدأت في التراجع (بعد عام م1666) حيث أدى عدم التسامح الذي انتهجه الشاه حسين مع السكان من المذهب السني الى تدهور الاقتصاد ودفع الافغان الى تصفية المملكة الصفوية ، واعدام الشاه الى ان انتقلت السلطة الى القاجاريين... هذه تجربة واحدة فقط للصراع الذي دار بين العثمانيين والصفويين ، وقد كانت البداية لتحول الخلاف المذهبي بين السنة والشيعة الى خلاف مسلح ، ولتدخلات اجنبية متسارعة في عالمنا الاسلامي لم تنته حتى وقتنا المعاصر المعاصر.

لا نريد ان نعلق ، ونكتفي بما قاله المفكر الايراني د. علي شريعتي (الدولة الصفوية قامت على مزيج من القومية الفارسية والمذهب الشيعي ، حيث تولدت آنذاك تيارات تدعو لإحياء التراث الوطني والاعتزاز بالهوية الايرانية وتفضيل العجم على العرب وإشاعة اليأس من الاسلام وفصل الايرانيين عن تيار النهضة الاسلامية المندفع وتمجيد الأكاسرة)..

نرجو ان تكون تلك الحقبة قد انتهت الى غير عودة. ( الدستور )



مواضيع ساخنة اخرى
الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية
" الصحة " :  97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم " الصحة " : 97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم
الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع
3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار 3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار
الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن
العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا
" الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار " الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار
العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا
الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي
بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان
عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي
إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن
تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام
ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي
الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة
الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات