لكي لا نتسرع في إعلان «نعي» الثورات العربية

لم تنجز الثورات العربية حتى الآن اهدافها، لكنها - على ما يبدو - قادرة على تصحيح مساراتها وتجاوز اخطائها، واذا كان بوسعنا ان ندقق في مشهد ما حدث من تحولات في عامين فقط فاننا سنكتشف بأن افضل ما انجزناه هو اعادة الاعتبار لصوت الناس ووزن المجتمعات وحيويتها، وتدشين مرحلة “بناء” الوعي واسترداد شرعية الحكم والقرار، وهذه - بالطبع - اقصر الطرق للوصول الى الاصلاح والتغيير.
لم يكن احدنا يتوهم بأننا بعد اكثر من ستين عاما من القهر والفساد والاستبداد سنتمكن من “قلب” الصورة، او سنخرج “بوصفة” سحرية تعيد للمجتمعات عافيتها، وتنهي فصولاً من “العداء” بين نخبها، وتحرر الانسان العربي من “قابلية” الانقياد ومناخاتها التي نجحت انظمة ما بعد الاستقلال في “صناعتها” وترويجها كقيم للدولة، فقد احتاجت غيرنا من “الشعوب” الى عشرات السنوات حتى تمكنت “ثوراتها” من كسر القيود ودفعت من اجل ذلك دماء عزيزة، لكنها في النهاية انتصرت حين ادرك الناس هناك ان امامهم طريقا واحدا وهو “التضحية” من اجل استعادة الحرية والكرامة والديمقراطية والمواطنة.. فانحازوا اليه حتى وصلوا الى ما وصلوا اليه.
نخطىء - إذن - حين نتصور بأن ما يحدث في مصر أو تونس أو غيرها من بلداننا العربية خارج اطار التوقعات، فالثورات التي قامت هناك اسقطت الانظمة لكنها ايضا اسقطت الكثير من الافكار، وهي “هدمت” جزءاً من الاستبداد والفساد، لكنها لم تتمكن في عامين من بناء “قيم” جديدة تسدّ الفراغ، وهي انجزت في ميادين “احياء” روح المجتمعات لكنها لم تستطع ان تعيد لهذه المجتمعات “عافيتها” التي سلبتها الانظمة على مدى عقود من خلال شتى انواع التفكيك والتقسيم و”القولبة” التي ارادت منها “تصنيع” مجتمعات وفق مقاساتها، تابعة لها وضامنة لاستمرارها وغير قادرة على الخروج عن اوامرها.
لا تتوقف - بالطبع - محاولات اجهاض الثورات ومنع امتدادها على “الداخل” بكل ما فيه من تراكمات “للعداء” بين الشعوب ونخبها، ومن تراث طويل سيطرت فيه “قيم” الشطارة والفردانية ورفض الآخر على وعي المجتمعات وسلوكها، وانتزعت من الناس اخلاقهم لمصلحة “التماهي” مع واقع سادت فيه روح “الاستهلاكية” والبحث عن “العيش” وخدمة اصحاب النفوذ والتملق اليهم للحصول على لامنفعة، حتى تحول الناس من “أسياد” الى “قطيع”، واقتصر دور المجتمع على “الطاعة” وتنفيذ المقررات.. واصبح “الانسان” ارخص من اي شيء آخر.
في مقابل هذا الداخل الذي تعرض “لضربات” قوية افقدته القدرة على التوازن والتوافق والتوحد وزرعت فيه “بذور” اجهاض “التغيير” بحكم ادامة الصراع فيه، كانت ثمة محاولات لم تتوقف لاجهاض الثورات جاءت من “الخارج” هذا الذي أدرك بأن رياح “الثورات” قد عاندت توقعاته ومحاولات استيعابه لها، وربما تواجه مصالحه وتنقلب على “مركزيته” وحضوره الفاعل الذي يحدد “بوصلة” توجهاتها نحوها في المستقبل، لا كشريك وانما كوصي، ولا في اطار “التعاون” وانما في اطار “الهيمنة” والنفوذ والسيطرة.
من واجبنا ان نفهم ما حدث في العامين المنصرمين وما يحدث الآن على صعيد ما جرى في بلدان “الثورة” وما يجري على الهوامش المحيطة بها، فمن الخطأ ان نشهر الآن “نعي” هذه الثورات أو ان نشكك في جدواها وقدرتها على الصمود والاستمرار، ومن الظلم ان نطالبها ونتوقع منها “تغيير” الصورة في هذه الفترة الزمنية القصيرة.
امامنا جولات اخرى لنحكم عليها ونقيمها، واعتقد ان ما حصل فيها ليس اكثر من محاولات لتصحيح مساراتها نحو اهدافها، وتحقيق “عافيتها” وتمكينها من “ترميم” ما هدمت او اقامة ما يلزم من “ابنية” جديدة تناسب “الافكار” الجديدة التي انتجتها.
أما السؤال عن “الزمن” فلربما نحتاج الى عشر سنوات أو أكثر حتى نرى صورا اخرى لعالمنا العربي.. لكنها بلا شك ستكون افضل مما يتوقع الكثيرون. ( الدستور )