كَمْ هو عُمْر الياسمين؟؟
للياسمين رائحة نفاذة ومالحة، ولبياضه البكر لون ندف الثلج لكن في عزّ الصيف التونسي، أما عمره فهو شأن أعمار الورود كلها قصير، هذا ما أحسست به وأنا أشاهد جنازة مليونية للناشط التونسي شكري بلعيد، فالرجل تحدث عن الاغتيال قبل يومين من حدوثه كما لو أنه كان يشم رائحته السياسية الكريهة.
هكذا إذن تبدأ الجملة السياسية وهكذا تنتهي، فقبل عامين تفاءل البعض بما سمي ثورة الياسمين حين حملت الرياح غبار طلعه الأبيض الى أقاصي الارض، ولم يكن ما يجري في شارع الحبيب بورقيبة الآن يخطر ببال أكثر المتشائمين, إذ سرعان ما تحولت شرارة البوعزيزي الذي وصف بأنه فينيق الثورات أو عنقاؤها الى شيء آخر، بحيث تبدلت وجهة المليونيات وتغير اتجاه سهم البوصلة.
قد يقال أن ما يحدث في تونس ومصر تحديداً هو أعراض جانبية مصاحبة للدواء، وأن هذا الاضطراب لن يدوم، فالمرحلة انتقالية وان كانت مشوبة بشيء من الانتقام كما يحدث في كل زلازل التغيير. لكن الانتقال لا يعني الاقامة في المسافة بين الماضي الذي لم يسقط تماماً وبين المستقبل الذي لم يُقبل بعد.
ما يخشاه الحالمون بتونس أشد اخضراراً هو أن تدشن الرصاصات التي أردت بلعيد مرحلة دموية في تاريخ البلاد، فتونس لم تشهد من قبل إلا أحداثاً استثنائية من هذا الطراز، لكن خضرة تونس مهددة وكذلك ياسمينها الذي بقعه دم بلعيد.
بالطبع التونسيون أدرى بشعاب بلادهم، وقد تكون أرملة شكري بلعيد أدرى أيضاً بملابسات الجريمة السياسية التي ذهب زوجها ضحيتها، رغم أنها تعهدت فور وداعه أن تستأنف دوره، لكنها أعربت عن مخاوفها مما يمكن أن يلحق بها وببناتها، لهذا ناشدت وزارة الداخلية باتخاذ التدابير لحماية اسرتها، لأن السلاح الذي استهدف زوجها بعدة رصاصات لم يفرغ بعد من ذخيرته.
والحروب الأهلية لا تبدأ بالجملة، وربما تبدأ برصاصة واحدة تقصم ظهر السلم الأهلي، لهذا كانت فلسفة الوقاية والاستباق لهذه الحروب هاجساً دولياً بامتياز.
وكما هو الحال في كل اغتيال، ثمة من ينسبونه الى مجهول أو نائب فاعل، ويبقى تبادل الاتهامات قائماً إذا لم يسفر التحقيق عن نتائج محددة.
من رماد البوعزيزي الذي وحدّ تونس ذات عصيان وترد الى دم شكري بلعيد الذي فرقها الى قاتل وقتيل.. يبقى سؤال الدّم أبلغ من سجالات الساسة وتنابذ الأحزاب وتبادل التخوين والتجريم.
ما نرجوه أن يكون الاغتيال خاتمة وليس فاتحة، لأن تونس لا تحتمل مثل هذه النار التي تأتي على أخضرها ويابسها معاًَ.
وهي مناسبة لاعادة القول، فان فائض المكبوت بمختلف أنماطه في باطن الذات العربية المقهورة هو ما يفرز الآن كل هذا العنف المتبادل.
أما الاغتيال بحدّ ذاته فهو اضافة الى كونه جريمة سياسية بامتياز هو أيضاً انتحار، لأن من يبرره أو يمارسه لا بد أن يكون ذات يوم ضحيته!!
الدستور