علاقات تأكل نفسها!!

العلاقات الإنسانية على اختلاف أطرافها، تعيش وتتمدد بالمجالات الحيوية، وبأكسجين الحرية، لكنها تتلاشى وأخيرا تموت اختناقا، إذا استمرت «محلك سر»، فالمراوحة تؤدي إلى أن تأكل نفسها، وقد لا يكون أطراف العلاقات الميتة، مسؤولين بشكل نفسي أو أخلاقي عن هذا المصير، لكن غياب المشترك الجدي، سرعان ما يفرز الضجر، وهو من أشد أعداء البشر إذا لم يجد متنفسا طبيعيا، وثمة حالات من الضجر تؤدي إلى الانتحار، لأن رأس الإنسان يرتطم بالسقف الواطئ، تماما كما ينزف الطائر إذا حاول التحليق في زنزانة.
ومعظم علاقاتنا الاجتماعية تفتقر إلى أكسجين الحرية، والمجالات الحيوية التي تتيح له النمو، وإذا كان للفيزياء أكاسيدها الخانقة، من طراز ثاني اكسيد الكربون، فإن الحياة الاجتماعية فيها عاشر أكسيد الضجر والكربون معا، لهذا تموت مبكرا، أو تصاب بشيخوخة تشلها، يحدث هذا في الصداقات والزواج والجوار وزمالة العمل أيضا. ولا يدرك بعض الناس أن ما يصابون به من نفور، إزاء من كانوا حميمين وقريبين هو من داخلهم، وأن الرائحة التي تضايقهم، هي من إفراز أنفسهم وليست من الآخرين. فالآخرون ليسوا جحيما كما قال سارتر، وليسوا نعيما كما يرى المتفائلون.
في مسرحية بيكت بانتظار جودو، يجد البطل أنه مضطر لاحتمال رائحة قدمي صاحبه على خشبة المسرح، وفي مسرحية الحلقة المفرغة لسارتر، يضطر خمسة أشخاص مسجونون في غرفة، إلى احتمال بعضهم حيث لا مفر، فالآخر حاجة بشرية وضرورة كونية، وإذا كان هناك في العالم علاقات إنسانية معافاة، وتعيش حتى النهاية المقدرة للبشر، فذلك لأنها تتنفس بحرية، وتنمو بلا مصدات أو سقوف واطئة، بعكس معظم علاقاتنا الأشبه بالنباتات الزجاجية الداجنة، التي تتغذى من الظلام وتموت في الشمس.
إن كل ما يمكن حدوثه في واقع كهذا، يعج بأكاسيد الكربون والوحشة والريبة المتبادلة، قابل للترشيد العقلي إذا عرفنا الأسباب.
فالشخصية الفجة، التي يحكمها مزاج نفسي سريع التقلب، أشبه بعربة يجرها حصان أفلت من صاحبه، هذا النمط سريع الإقبال والإدبار معا، وأشبه بالحديد المطاوع، الذي يقبل المغنطة بسرعة فائقة، ثم يفقدها بالسرعة ذاتها.
ولو قدر لجاهل أن يدرك للحظة مساحة جهله لتحول إلى عالم، لكنه محروم من هذه النعمة التي تبدو له عقابا.
أشياء كثيرة تموت بالاختناق، وانحسار المساحات والهوامش،وليس العلاقات الإنسانية فقط، لكن في مجتمعات أصيبت بوصلتها الأخلاقية بالعطب، يصبح الناس كمن يبحث عنه طريق، في غابة عذراء أو في الصحراء.
ويتحول استعذابهم للعذاب إلى ماسوشية تدفعهم إلى اختراع المصائب،واختراع الأعداء حتى لو كانوا من صلبهم.
لقد زحفت السياسة وشجونها في هذه المجتمعات، على كل العلوم الإنسانية، فالفرد مهجور ومتروك، لما يسميه عالم النفس بافلوف المحاولة والخطأ، وهي إحدى طرق التعلم التي جربت على القطط، في غرف مغلقة الأبواب.
صعب أن نزرع زيتونة أو سندانة في قارورة فخار، وأصعب من ذلك أن نربي حصانا في قنّ دجاج، أو نصادق من هم في حرب عصابات مع أنفسهم!! ( الدستور )