هل يحتمل بلدنا اعباء مليون لاجىء سوري؟

في نهاية هذا العام يتوقع ان يصل عدد اللاجئين السوريين في الاردن الى مليون شخص، والسؤال: هل يستطيع الاردن بما لديه من امكانيات متواضعة ان يتحمل هذه الهجرة الكبيرة؟
اذا اخذنا الاعتبارات الانسانية –وهي مهمة بلا شك- سنضطر الى التسليم بهذا القدر، وابتلاع “المحنة” اذ لا يمكن لأحدنا ان يتصور اغلاق الحدود امام آلاف الاطفال والنساء والجرحى المنكوبين من الحرب، والباحثين عن “ملاذ” آمن يحمي ارواحهم من القصف المستمر وتدمير البيوت والمدارس ودك القرى بالصواريخ، كما لا يمكن لأحدنا ان يعتذر عن القيام بواجب “الضيافة” الذي تفرضه اصول المشتركات الدينية ووشائج القربى والاخوة بين الشعبين الجارين، كما انه يمكن ان يقال بان هذه “ازمة” عابرة، وبان هؤلاء “المهجرين” سيعودون –مهما طال بقاؤهم- الى بلادهم، وبالتالي فان “استضافتهم” وتحمل اعبائها هو جزء من واجبنا الانساني فقد سبق واستقبلنا “هجرات” سابقة ودفعنا ثمنها ايضا.
هذا الطرح مفهوم بالطبع، لكن ماذا عن الاعتبارات السياسية، ثم الاعتبارات الامنية والاجتماعية، هل يستطيع بلدنا ان يتحمل “كلفة” ذلك على المدى القريب والبعيد ايضا.
سأترك المجال السياسي وألغازه، وسأشير فقط الى “الصورة” الانسانية التي تقدم سيايسا لحالة “اللاجئين” المقيمين في مخيم الزعتري مثلا، ويتهم فيها بلدنا بالتقصير في ادارة هذا الملف دون النظر لامكانيات الاردن الاقتصادية والاعداد الهائلة التي يصل معدلها الى 3 الاف لاجىء يوميا، والنتيجة ان ثمة من يريد ان يستغل هذه “الصورة” لتشويه موقف الاردن والاساءة اليه، ثم سأشير –ايضا- الى الاعباء الامنية التي يدفعها رجال الامن العام بسبب “تعقيدات” حالة اللجوء وهوية اللاجئين الذين ثبت بان بينهم اعداد من “اصحاب السوابق الامنية والسياسية” ولديهم مهمات غير بريئة لاثارة الفوضى والمشاكل.
سأشير ايضا الى المجال الاجتماعي، فثمة مخاوف حقيقية من انتشار بعض الامراض والمشكلات اللاأخلاقية، وقد سمعنا فعلا عن “حالات” للمتاجرة بالبشر، وعن استغلال لبعض اللاجئات في اعمال غير مشروعة، وهذا يعني ان بلدنا سيتعرض لاختراقات في مجال قيمه وتقاليده، وبعيدا عن الخوض في تفاصيل ذلك فقد ثبت بان الهجرات تؤثر في التحولات القيمية والاخلاقية داخل المجتمعات التي تواجه مثل هذه الظواهر، وغالبا ما تكون هذه التحولات سلبية نظرا لما تفرزه “الهجرة” بظروفها القاهرة والصعبة من آثار على الاشخاص المهاجرين.
يبقى الجانب الاقتصادي، وهو مهم ايضا، اذ يدفع الاردن من “بنيته التحتية” سواء فيما يتعلق بالماء او الكهرباء او سوق العمل او المعونات على اختلافها، ثمنا كبيرا لتغطية حاجات هؤلاء، وفي ضوء “الازمة الاقتصادية” التي نعاني منها وتواضع حجم المساعدات الدولية والعربية وتصاعد اعداد اللاجئين مع انسداد ابواب “الحل” داخل سوريا، يبدو ان امكانيات الاردن على النهوض بهذه الاعباء غير متوفرة، وقد شهدنا في بعض المناطق احتجاجات شعبية تطالب بالحد من استقبال اللاجئين نظرا لما ترتب عليهم من “اعباء” لم يعودوا قادرين على تحملها “في مجال السكن والمياه مثلا” مما يجعل اعادة النظر في “ادارة” هذا الملف مسألة ضرورية تماما كما فعلت تركيا التي وضعت سقفا لاعداد اللاجئين حيث لم يتجاوز عددهم 200 الف حتى الآن، رغم ان ظروف تركيا افضل منا بكثير.
صحيح اننا –بدافع الاخوة- لا نقبل ان نطرد اخواننا الذي اضطرتهم ظروفهم للجوء الينا، لكن الصحيح ايضا ان ظروفنا الاقتصادية والامنية والاجتماعية تفرض علينا ان ننتبه الى مصالحنا الوطنية، وان نقدم ما بوسعنا لاشقائنا من معونات بشرط ان لا يؤثر ذلك على حاجات الناس الضرورية واستقرارنا... فالله تعالى لا يكلف نفسا الا وسعها... واعتقد ان “وسعنا” لا يحتمل الاستمرار بحمل العبء وحدنا دون ان يساعدنا الاشقاء والاصدقاء على ذلك. ( الدستور )