مصر والتوقعات الكسنجرية !

بين وقت وآخر يطل علينا كسنجر الذي لم تحل كهولته دون استمراره في التوقعات بمواقف صارمة، ومن حق من عرفوا هذا الرجل منذ رحلاته المكوكية في سماء الشرق الاوسط ان يقولوا كذب هنري ولو صدق، لكن هذا لا يغير من الامر شيئاً، فالرجل ضليع في فقه السياسة الدولية التي صال وجال فيها وافتضح العرب مراراً سواء في مذكراته أو مقالاته عندما قال انهم يسرون عكس ما يعلنون وان من التقاهم من الزعماء لم تكن فلسطين أو اية قضية مصيرية في مقدمة اهتماماتهم أو حتى في مؤخرتها.
وأذكر دوره المسرحي في اعقاب حرب اكتوبر عام 1973، عندما ضغط على العراق يومئذ لانجاز ما سمي فك الاشتباك واعترف بعظمة لسانه وحبر قلمه انه سعى الى تسليح الاكراد ومارس العزف على آلة الاوكورديون بحيث اعتصر خاصرتي العراق يومئذ.
من توقعات المستر هنري ان الاشتباك اصبح وشيكا في مصر بين الجيش والاخوان المسلمين، فهل استنتج ذلك من مقدمات ساهم هو نفسه فيها منذ السبعينات من القرن الماضي أم استقى معلوماته من السي. اي. ي والبنتاغون اضافة الى الموساد؟
ان القرائن التي توحي بمثل هذا الاشتباك بين الجيش والاخوان لم تعد سرّية بعد ان اعلن الفريق عبدالفتاح السيسي ان الجيش لن يقف مكتوف الدبابات والطائرات وليس اليدين فقط اذا أصبحت الدولة قاب قرارين او ادنى من السقوط.
وما حدث في مصر قبل ايام قد يكون عينة تجريبية ساحاتها بور سعيد وقد تمتد لتشمل الاسماعيلية والسويس، هذا الثالوث البحري الذي يحمل القنال، فالجيش في بور سعيد تحول الى شرطة بعد ان تسلم مفاتيح الامن واجهزته، فاذا نجحت هذه العينة في الاختبار قد يكررها في القاهرة والاسكندرية وبقية المدن المصرية، لان الدولة فعلا في خطر والفوضى شملت البلاد كلها، ومن يتحدثون عن ارتفاع منسوب البطالة ينسون ان الدولة ذاتها عاطلة عن العمل، ما دام كل شيء مؤجلاً والازمات تتفاقم!
فهل ثمة صلة تتجاوز التزامن بين ما صرح به كسنجر وبين زيارة وزير الخارجية الامريكي الجديد الى القاهرة؟ ام ان ما وراء الكواليس غير هذا تماما؟
لقد عاشت مصر بعد يناير اكثر من عام وهي تراوح بين عسكرة الدولة وتديينها، او بمعنى آخر أخونتها رغم ان المطلوب هو خيار ثالث يتلخص في تمدينها وتحديثها.
والعسكرتاريا المصرية لها تاريخها الخاص ليس فقط منذ ان حلم الطباخ محمد علي بأن يبني دولة وجيشاً حديثين، بل منذ اقدم العصور، والقرنان الاخيران في تاريخ مصر الحديثة حكم فيهما العسكر، وكان حراك التغيير ايضا عسكرياً، بدءاً من محمد علي وليس انتهاء بمبارك مروراً بثورة يوليو التي قادها الضباط الاحرار.
ما يتوقعه كسنجر ليس قراءة في فنجان قهوة الفريق السيسي او مجرد استقراء للوقائع وربط مقدماتها بالنتائج، انه ايضا معلومات في امبراطورية لا تعرف الشفافية الا عندما يتعلق الامر ببالوناتها وفقهاء أمنها القومي المتقاعدين! ( الدستور )