حين يدعو الصهاينة لاستغلال الصراع السـني- الشـيعي

تم نشره السبت 20 نيسان / أبريل 2013 04:25 صباحاً
حين يدعو الصهاينة لاستغلال الصراع السـني- الشـيعي
ياسر الزعاترة

لا نحتاج لبيان إسرائيلي، ولا أمريكي أو غربي حتى ندرك أن ثمة مصلحة لكل تلك الأطراف في تأجيج الصراع السني- الشيعي في المنطقة، فكل القوى الاستعمارية على مدى التاريخ كانت تستخدم سياسة “فرق تسد”.

بل دأب الطغاة أيضا على استخدام ذات السياسة داخل بلدانهم؛ من لدن فرعون، بل قبله، ولغاية الآن “إن فرعون علا في الأرض، وجعل أهلها شيعا ..”.

مؤتمر هرتسيليا هو المؤتمر الإستراتيجي السنوي الأهم في الكيان الصهيوني، حيث يجمع بين جنباته نخبة من العسكريين والأمنيين والسياسيين والباحثين الإستراتيجيين والأكاديميين كي يناقشوا أهم التحديات التي توجه كيانهم خلال المرحلة المقبلة، وينتهي المؤتمر بتوصيات، وإن كانت مداولاته أكثر أهمية أحيانا من توصياته، وحيث يترك اتخاذ القرار لتقدير الدوائر السياسية والعسكرية والأمنية.

في المؤتمر الأخير، بدا لافتا تلك التوصية التي تتحدث عن تأجيج ما سمي الصراع السني- الشيعي، مع أن الأمر لا يحتاج أصلا لتوصية، إذ أن عملية التأجيج تتصاعد على قدم وساق من قبل قوى عديدة في المنطقة، بصرف النظر عن طبيعة الحسابات التي تحرك كل طرف منها.

حين يتحدث البعض عن تاريخية الصراع السني- الشيعي ينسى أن ما يجري اليوم يختلف جوهريا عما كان يجري قبل سنوات على سبيل المثال (تكرر مشهد الحشد إبان الحرب العراقية الإيرانية)، وثمة دول مثلا تتولى كبر التصعيد هذه الأيام ضد إيران، لم تكن تسمح بشتم إيران والشيعة على المنابر قبل سنوات، بينما تسمح بذلك الآن، بل تحض عليه وهكذا.

ما نريد قوله هو أن النظر لحالة الحشد المذهبي بعيدا عن أصابع السياسة يبدو قاصرا إلى حد كبير، ولو تفاهمت دول عربية أساسية اليوم مع إيران، وجرى حل الإشكالات القائمة، فإن مستوى الحشد سيأخذ في التراجع في الخطاب والفضائيات، تماما كما أن بوسع إيران مثلا أن تلجم فرقا من أزلامها وفضائياتها التي تفعل ذات الشيء باستدعائها اليومي للثارات التاريخية كما لو أنها وقعت بالأمس، بل اليوم.

لا ينكر أحد أن هناك إشكالا مذهبيا كان موجودا على مدى التاريخ، لكن صعوده وهبوطه كان يرتبط دائما بتحولات السياسة (حصلت إشكالات أقل وطأة بين المذاهب السنية في بعض مراحل التاريخ أيضا)، وعموما تقول وقائع التاريخ إن السياسة استخدمت الدين أكثر بكثير مما استخدم الدين السياسة.

إذا جئنا نرصد الحالة التي نحن عليها اليوم، ممثلة في الحشد المذهبي الذي يُراد تصعيده أكثر فأكثر من أجل خدمة الأجندة الصهيونية والغربية عموما، فإن ما ينبغي قوله هو إن إيران هي المسؤول الأكبر عما يجري أكثر من سواها، حتى لو قلنا إن دولا عربية معروفة تسهم في لعبة الحشد والتصعيد.

إن الإشكال الأكبر الذي واجهته المنطقة خلال السنوات الأخيرة، والذي سمح تبعا لذلك بتصعيد الحشد المذهبي، إن كان طبيعيا ومنطلقا من ردة فعل شعبية، أم عبر أصابع السياسة، إنما يتمثل في تجاوز إيران لحدودها على نحو استفز العالم العربي، وكذلك تركيا أيضا.

من لبنان إلى محاولة التأثير في القضية الفلسطينية عبر دعم حماس والجهاد، ظل الأمر ضمن النطاق المقبول نظرا للعداء الأكبر مع الاحتلال الصهيوني، لكن الموقف ما لبث أن تجاوز حده في العراق الذي وقع في قبضة إيران (أضيف إلى ذلك تغول حزب الله في لبنان واستخدامه السلاح للتأثير في العملية السياسية)، ثم تصاعد الموقف بتصعيد الأقليات الشيعية في الخليج لخطابها وصولا إلى استفزاز الأغلبية، مع أن بعض مطالبها تبدو محقة، ثم ازداد الموقف سوءا، بل بلغ الذروة بدعم إيران لبشار الأسد في مواجهة شعبه.

ما فعلته إيران لم يكن مقبولا بمنطق السياسة والتوازنات في هذه المنطقة، بصرف النظر عن هوية أنظمتها، ولولا ضعف النظام المصري وانشغاله بقضية التوريث لكان الصراع قد بدأ قبل 6 سنوات على الأقل، وليس بعد الربيع العربي فقط، إذ لا يمكن للعرب أن يقبلوا بتغول إيران عليهم وابتلاع العراق، كما لا يمكن لتركيا أن تقبل بذلك أيضا، لاسيما بعد صعودها في ظل حزب العدالة والتنمية.

لقد بات هذا الصراع قدر هذه المنطقة مع الأسف، من دون الحاجة لدفع خارجي، مع أن السنة يعتبرون أنفسهم الأمة التي تحتوي الجميع، ولم ينظروا لأنفسهم يوما كطائفة، والسبب كما هو واضح هو غطرسة إيران، وما لم تعد إلى رشدها، فسيستمر الأمر وصولا إلى إعادتها لحجمها الطبيعي، مع ما ستكلفه هذه المعركة من خسائر لعموم الأمة، ولإيران بشكل أكبر، وكذلك للأقليات الشيعية التي جرى توريطها من قبل إيران في هذا الصراع الذي يسيء لعلاقتها الداخلية مع الناس الآخرين (ما مصلحتها بمناهضة ربيع عربي سيكون خيرا لها ولعموم الأمة؟!).

كم تمنينا -وما زلنا- أن تعود إيران إلى رشدها، لكنها لم تفعل، بل واصلت غطرستها وصولا إلى مد أذرعها نحو ساحات جديدة، كما هو الحال في اليمن، لكن النهاية معروفة لكل ذي عقل، بصرف النظر عن الخسائر والمعاناة، فهذه المنطقة ستعود إلى توازنها الطبيعي بمحاورها الثلاثة (العرب، تركيا، إيران)، ولكن بتصدر عربي تفرضه توازنات القوى وليس شيئا آخر.

وحين يحدث ذلك سيكون بالإمكان محاصرة المشروع الصهيوني، وصولا إلى اقتلاعه؛ هو الذي يشكل خطرا على الجميع، وليس على طرف دون آخر. ( الدستور )



مواضيع ساخنة اخرى
الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية
" الصحة " :  97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم " الصحة " : 97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم
الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع
3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار 3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار
الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن
العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا
" الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار " الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار
العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا
الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي
بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان
عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي
إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن
تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام
ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي
الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة
الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات