مصدر أهميتنا الوحيد في العالم!

فيما تتعدد خطوط الانقسام العربية، بين الأنظمة والدول، وأهم منها بين من كانوا يوماً شعباً واحداً؛ تظل ثمة حقيقة واحدة تجمع هؤلاء جميعاً، ولربما تكون المشترك الوحيد الباقي بين "الأمة العربية"! وليست هذه الحقيقة إلا "وهم الأهمية العالمية"؛ بحكم الجغرافيا، أو الموارد ولاسيما النفط.
واستناداً إلى هذا الوهم، يصبح ممكناً تماماً فهم وتفهم توقع البعض تدخل الدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة، لخوض معاركنا، أو معارك هذا البعض، كما فعل الغرب فعلاً في مراحل سابقة. تماماً كما يصبح ممكناً أيضاً فهم وتفهم موقف آخرين، على الطرف النقيض، ممن يؤمنون بأن ما يجري في العالم العربي هو محض مؤامرة؛ تارة مع أنظمة حاكمة، وتارة مع الشعوب الثائرة، بل وحتى مع الاثنين في الوقت ذاته!
إذ، وبشديد بساطة، هل ما يزال الغرب، ولاسيما الولايات المتحدة، يحتاج نفطنا فعلاً؟ عدا عن اقتراب الولايات المتحدة خصوصاً من الاكتفاء ذاتياً على صعيد الطاقة، بل وإمكانية تحولها إلى مصدّر عالمي؛ فإن الأهم من ذلك أننا بتنا اليوم الأحوج، أكثر من أي طرف آخر، لبيع نفطنا بعد أن صار مصدر دخلنا الوحيد، ليس في الدول المنتجة فحسب، بل وفي الدول الأخرى المعتمدة بأكثر من طريقة على استثمارات هذا النفط في المنطقة ككل.
أيضاً، وعلى الجانب الآخر، هل كان الغرب فعلاً بحاجة إلى تقسيمنا إلى أدنى من "سايكس-بيكو"؟ أم أن الحقيقة الجلية هي أن هذا الغرب، ومعه إسرائيل، كانا أكثر أمناً في مواجهة "شرورنا"؛ إرهاباً ولاجئين تحديدا، في مرحلة ما قبل "الربيع العربي"، وليس العكس أبداً؟
شئنا أم أبينا، فإن المصدر الوحيد للاهتمام العالمي بنا اليوم هو الإرهاب الذي تصدّره منطقتنا عبر "القاعدة" وأخواتها وتفرعاتها، وليس أي شيء آخر!
فلولا هذا الإرهاب ما عاد الأميركيون إلى العراق، ولا فكروا مجرد تفكير في التدخل في الحرب السورية. وهم، كما يعلم الجميع تماماً، تدخلوا في هذين البلدين فقط بعد أن صار تنظيم "داعش" خطراً على الغرب بأعضائه من حملة الجنسيات الأوروبية والأميركية، وبعد أن أُحرج هذا الغرب بجز رؤوس عدد من مواطنيه. وبعبارة أوضح، فلو اكتفى "داعش" وأمثاله بأعضاء لا يتمتعون بالجنسيات الغربية، و/ أو اكتفى بقتل وتهجير العرب من كل دين وعرق وطائفة؛ فلربما بقي بمأمن من الحرب الأميركية الحالية "المحدودة"، أو كان نصيبه، في أسوأ الظروف، هجمات منتقاة بطائرات من دون طيار، كما هي الحال اليوم في التعاطي مع "القاعدة" في اليمن، حيث تقف أميركا والغرب عموماً متفرجين على تصاعد مؤشرات الحرب الأهلية التي تغذيها أطراف إقليمية أساساً.
في إطار إدراك مصدر الأهمية العربية الوحيد هذا، يجب فهم السياسة الأميركية والغربية في المنطقة، والتحالفات المتولدة عنها؛ أي وفقاً للكفاءة في مواجهة الإرهاب، وفقط ذاك العابر نحو الغرب. وهنا لا يعود حتى خيالا تصور إمكانية نشوء تحالف ضمني مع "داعش" وأشباهه إن ركزوا إرهابهم محلياً - إقليميا، وارتضوا/ نجحوا في منعه من الامتداد غربياً. ألم تكن إيران يوماً أكبر داعم للإرهاب من وجهة نظر غربية، لكنها تبدو اليوم المرشح الأوفر حظاً للتحالف مع الغرب ذاته لمواجهة الإرهاب؛ أو للدقة ضبطه في الإطار الإقليمي الشرق أوسطي، ومنع وصوله إلى أوروبا وأميركا؟
( الغد 2014-10-25 )