المنسف

"لا تطبخوا الجدي بلبن أمه"، هذا ما جاء في التوراة اليهودية. وبالمقابل لا شيء يعدل المنسف في الثقافة الشعبية الأردنية. وحسب المؤرخ الأمريكي اليهودي "برنار لويس"، فالحرب أولها الأزياء والمطابخ وليس الكلام.
ثقافتان متصادمتان في تفاصيل التفاصيل من الدم في الوريد إلى الجدي في اللبن.
وفي الماضي البعيد فإن المنسف استرجاع جماعي دوري أو اسكاتولوجيا كما يقال في علم الإنثروبولجيا.
فعند الشعوب الزراعية القديمة ومن أجل استحضار الإله الوثني القتيل "تموز – أدونيس… إلخ" الذي يرمز إلى الدخول في فصل الخريف والشتاء "البيات الشتوي" تقوم هذه الشعوب بمجموعة من الطقوس لمساعدة هذا الإله على الحياة من جديد، وهو ما يساوي فصل الربيع.
من هذه الطقوس، المنسف، الذي يتقاطع أيضًا مع قراءة فرويد "ندم الأبناء على قتل الأب"، واستحضاره أو التوحد فيه من خلال طقس رمزي يشبه المنسف، كيف ما يحدث في الحالتين، هو أن تقوم القبيلة بقتل كبش أو ثور أو جدي وأكله بصورة جماعية، وضمن طقوس محددة: الوضع الدائري الجماعي حول منسف ضخم يتوسطه رأس الحيوان الذبيح وداخل فمه عود أخضر "يرمز للانبعاث أو الربيع". وكان لأكل كل قطعة منه دلالة خاصة: المخ، اللسان، العيون، القلب… إلخ.
ولم تكن عملية الأكل هي المهمة بحد ذاتها بل ما ترمز له، من توحد مع الإله أو الأب القتيل، فكان اللحم يعبر عن جسده، وكانت "المرقة" تعبر عن دمه.. ويبدو أن المسيحية تحت تأثير ديانة الإله تموز استعادت هذه الطقوس في أعياد القيامة "فطير يساوي جسد المسيح ولوكير يساوي دمه"، وقد تأثرت الشيعة الإمامية بذلك في ذكرى كربلاء وعاشوراء الإمام الشهيد، الحسين.
ولعل سكان بلاد الشام التي خضعت للحكم الفاطمي فترة طويلة جعلوا من طقس المنسف تتويجًا للعهود الثلاث التي مروا فيها جميعًا.
العهد الوثني والمسيحية اليعقوبية أو المونوفيزية والعهد الفاطمي وليس بلا معنى أن الوهابية وقفت عند حدود سكاكه والجوف وأطراف القبائل الأردنية التي حملت هذا الطقس ولا تزال تطبخ الجدي بلبن أمه، حيث تحرم اليهودية ذلك.
(العرب اليوم 2015-01-21)