اليمن .. في عين العاصفة!

تنتهي اليوم...مهلة الأيام «الثلاثة» التي حددها المؤتمر الوطني المُوسّع الذي دعا اليه الحوثيون، كي يتم ملء الفراغ الرئاسي والحكومي الذي نتج عنه استقالة رئيس الجمهورية عبدربه منصور هادي ورئيس الحكومة خالد بحّاح ورفض «الأخيريْن» التراجع عن استقالتيهما، ما اسفر عن اندلاع جدل وسجالات حادة، تباينت ازاءها ردود افعال القوى الفاعلة، والتي تبدو في معظمها مُرتبكة بل وعاجزة عن التحرك نحو مربع التسوية او التوافق الوطني الذي سيحول (في حال حدوثه) دون انزلاق اليمن الى ازمة سياسية اكثر عمقاً وخطراً بل الى حرب أهلية يدرك الجميع، ان احداً لن يخرج منها منتصراً، لأن القوى الاقليمية والدولية المتربصة منها او الراغبة بإبقاء الحريق داخل اليمن ذاته وعدم امتدادها الى دول الجوار وما بعدها بالطبع، جاهزة للتدخل ولم يعد «التدخل» امراً مُشيناً او يتم خِفْية او مداراة، بل هناك من يُجاهر به ويفخر، وغيره من يضع شروطاً ويرسم خرائط ويفرض اشخاصاً واحزاباً وتنظيمات وجماعات، وما السنوات الاربع التي انقضت على اكذوبة الربيع العربي، سوى الدليل القاطع على عمق هذا «الانكشاف» لتلك القوى التي ظن كثيرون انها ستكون خَجِلةً او مُتهيّبة او مُحرَجَة، اذا ما زجت بنفسها في اتون ازمة في دولة عربية ما، فاذا بهم يهتبلون تلك الفرص، ويجدونها «نِعمة» حطّت عليهم من السماء، فراحوا يُسلّحون ويُمولون ويُدربون ويُفبركون القصص الاخبارية المُصوّرة، ويُرتبون الانشقاقات ويُرعون المؤتمرات ويُدعون الاصدقاء ورهط المانحين لالتقاط الصور وزيادة الضغوط لاسقاط الانظمة وعزل الرؤساء والحكام، ولم يجدوا غير أسلحة الدمار الشامل المجتمعية (وهي متوفرة لله الحمد في بلاد العرب)، لاستخدامها على الفور، فبرزت الطائفية والمذهبية والعرقية والاثنية وتراجع الاهتمام بالتناقضات الرئيسية مع العدو الأزلي للأمة العربية، وهي اسرائيل والحركة الصهيونية وقوى الاستعمار الجديد، لصالح التناقضات الثانوية بل والهامشية، في المجتمعات الفسيفسائية العربية، والتي لا يكاد «قُطْرٌ» عربي واحد يخلو منها، ما يجعل الاقتراب من حقل الالغام هذا، بمثابة انتحار مجاني وخدمة لأعداء الأمة وتأخيراً مقصوداً لنهوضها وردم الفجوة التكنولوجية والاقتصادية والعلمية والاكاديمية والثقافية، بين مجتمعاتنا المتخلفة وتلك التي باتت تفصلنا عن حداثتها وتقدمها عقود ممتدة..
ما علينا..
لم نبتعد عن اليمن، فالإضاءة السابقة كانت «يمنية»... بامتياز، كما شملت سوريا والعراق وليبيا وغيرها من المجتمعات العربية التي تعصف بها ازمات شتى وتتهدد «وحداتها» الوطنية، مخاطر ماثلة ووشيكة, وإلا كيف يمكن لهذه الازمات أن تتعمق وان تتواصل في اكثر من بلد عربي، دون أي رد فعل أو حس بالمسؤولية القومية, بعد أن استُبيح الامن القومي العربي وغدا الأمن «القطري» في مهب الريح والتدخلات وإرهاب الجماعات التكفيرية والسلفية الجهادية, التي لا تفهم من الاسلام شيئاً وتريد فرض «فَهْمِها» المتخلّف لهذا الدين العظيم، عبر سفك دمائنا وإزهاق ارواحنا وتجهيل مجتمعاتنا؟
من يملأ الفراغ في اليمن.. اذاً؟
ليس لأحد ترف الخيار في هذه الظروف الحرجة التي يعيشها من «شَقِيَ» باسمه وظُلِم، عندما اسموه اليمن «السعيد», لأن المشهد الاخير كشف هشاشة الاوضاع في اليمن وانعدام قدرة قواه السياسية والحزبية وخصوصاً العشائرية والقبائلية على ايجاد قواسم مشتركة تحول دون تشظي اليمن وسقوطه, بعد أن انهكه الفساد والديكتاتورية وأرهقته المواجهات والتدخلات الخارجية، وعصفت به الطموحات غير الواقعية التي اراد البعض فرضها على اليمنيين أو افشال ثورته المجيدة التي نادت بـ «التغيير» وتنكّبت الوسائل والمقاربات السلمية ودعت الى احترام ارادة اليمنيين دون عنف, فاذا بالقوى المتضررة من تغيير كهذا، تحفر الخنادق وتتمترس خلف اسلحتها وتدير ظهرها للثورة والثوار وغالبية المجتمع اليمني.
الحوثيون باتوا الان وخصوصاً بعد الحادي والعشرين من ايلول الماضي (يوم دخولهم صنعاء) القوة الرئيسية في البلاد، حيث يصعب وصفهم بأنهم «وحيدون» وبلا انصار او حلفاء, رغم ان احداً في اليمن لا يحالف احداً واذا ما تحالف معه، فإنه من غير المفاجئ الانقلاب عليه بعد سويعات, ما يعني أن «تماسكاً» ما او جبهة «موسعة»، غير مرشحة للظهور, ما دامت الاطراف المعنية مُصرّة على فرض «كل» مطالبها دون مرونة أو حوار أو التقاء في الوسط, ولهذا فإن اليوم (الثلاثاء) سيكون حاسماً لتقرير مستقبل اليمن, أقلّه في المدى القريب, وخصوصاً اذا ما بقي الخلاف قائماً بين انصار الله (الحوثيون) وما تبقّى من حزب علي عبدالله صالح, الذين يدعون للعودة الى «البرلمان» للبتّ في استقالة رئيس الجمهورية, فيما الحوثيون يدعون الى انشاء مجلس رئاسي لتسيير الامور وتهيئة المناخات، لكتابة دستور جديد واجراء انتخابات جديدة.
ثمة من يُسرّب انباء عن احتمال «انفراط» هذا التحالف، بعد أن بدا وكأن الديكتاتور السابق يستعد لترشيح نجله «احمد» لرئاسة الجمهورية خلفاً للرئيس المستقيل هادي..
مَنْ يملك زمام المبادرة؟ ومَنْ هو القادر على المُضّي قُدما في جذب غالبية اليمين نحو «المُشتركات والجوامع»؟
الانتظار لن يطول.. انها مسألة ساعات فقط.
(الرأي 2015-02-03)