ما بين الكفاءة والولاء

تم نشره الثلاثاء 03rd شباط / فبراير 2015 01:55 صباحاً
ما بين الكفاءة والولاء
د.رحيل محمد غرايبة

هناك جدل يدور على الصعيد المحلي حول أثر أولوية وترتيب المعايير المعتمدة في عمليات التعيين والتولية في مواقع المسؤولية، خاصة في المناصب العليا، حيث يذهب بعض المتحاورين إلى أن هذه المسألة تحتل المرتبة الأكثر أهمية في مجال تشخيص الداء، لأن اختلال معايير الفرز والاختيار فيها يمثل عائقاً مهماً أمام تحقيق التنمية المطلوبة.
المسافة بين الكفاءة من جهة، والولاء والانتماء من جهة أخرى، يجب أن تكون ضيقة إن لم تكن معدومة، لأن الولاء والانتماء موجود بشكل حتمي وأصيل في كل مواطن، إذا لا يعقل أن يكون هناك من يكتسب صفة المواطنة وفي الوقت نفسه يفقد صفة الولاء والانتماء لوطنه، ومن لا يحب وطنه فهو ليس أهلاً لاكتساب صفة المواطنة ابتداء، ولا يستحق العيش فيه لحظة، لأن حب الوطن والانتماء إليه أمر فطري مركوز في النفس البشرية، وليس له علاقة بالأشخاص والحكومات والأوضاع السياسية السائدة مهما كانت درجة الاختلاف والتباين في المواقف والآراء.
صفة المواطنة مشتقة من الوطن، وتنتسب إليه ابتداءً ومآلاً، حتى الذين يكتسبون صفة المواطنة اكتساباً وليس وراثة بحكم القانون، وهو ما يطلق عليها بالمصطلح القانوني «الجنسية»، تكون مبنية على مجموعة شروط ومنظومة قيم تتمثل بقدرة المجنس على خدمة وطنه، ويخضع لاختبارات ذكية من أجل التأكد من حقيقة الانتماء لوطنه الجديد، وتملك الدولة حق نزع الجنسية عندما تظهر مؤشرات اختلال الانتماء الحقيقي، حيث تخضع هذه العملية لمنطق السيادة الذي لا يحتمل مزيداً من الجدل والمماراة.
القضية المهمة في هذه المسألة ربما تكمن في تحديد معنى الولاء والانتماء على وجه التحديد والدقة، حيث تبرز مفاهيم مغلوطة في هذا السياق، تحتاج إلى توضيح قاطع يحسم الجدل، فالولاء والانتماء للوطن لا يعني الانتماء لحزب أو جهة أو عرق أو اتجاه فكري او قوة سياسية، لأن الانتماء للوطن يعلو فوق كل هذه الانتماءات الضيقة، ويمثل اطارا مرجعيا لها وحاكما عليها، بمعنى يجب على كل الأفراد أن يجعلوا من انتماءاتهم الحزبية أو السياسية أو العشائرية ضمن دائرة الانتماء الأكبر الذي يستوعبها جميعاً، وينبغي إزالة كل أشكال التناقض والانحراف عن هذا المعيار العام الذي يحظى بالاجماع قولاً واحداً .
تشكيل الأحزاب وإيجاد القوى السياسية أمر محكوم بخدمة الوطن وحمايته وخدمة الأمة وحمايتها، وما وجدت الأحزاب إلّا وسيلة لهذه الغاية، وتتنافس الأحزاب وتتصارع سياسياً تحت مظلة السباق لخدمة الوطن والأمة، ومن أجل اثبات قدرتها على أنها الأكثر تمثلاً للمصالح الوطنية، والأكثر كفاءة في تقديم الخدمة العامة، وتحقيق المصلحة العليا للمجموع العام.
من أشد الانتقادات التي يمكن توجيهها، للأحزاب أنها تقع في مصيدة تقديم المصلحة الحزبية على المصلحة الوطنية، وأنها تستغل الوطن لخدمة الحزب وليس العكس، وما هو أشد منه سوءاً أن يقع بعضهم في تقديم المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، أو الاستغراق في المصالح الذاتية على حساب الأوطان ومقدراتها العامة.
وهناك وجه آخر للخلل ينبغي الالتفات اليه؛ وهو طريقة التعبير عن الولاء والانتماء الوطني، فبعضهم يحصرها في عبارات التزلف والتمجيد للمسؤول، والايغال في الأقوال على حساب الأفعال، وهنا يقع الخطأ الأكبر، إذ يجب إثبات الولاء والانتماء عبر الكفاءة واتقان التخصص، وتجويد العمل، ومن خلال الابداع في تقديم الخدمة العامة للجمهور، ومن خلال الحرص على المال العام ومقدرات الدولة بعيداً عن المصالح الضيقة، وبعيداً عن كل عبارات النفاق والتزلف، لأن امتلاك لسان المدح والثناء، والبلاغة الموجهة في هذا المسار ليست معياراً صادقا على الولاء الحقيقي، ولا يعبّر عن الانتماء الوطني بكل يقين.

(الدستور 2015-02-03)



مواضيع ساخنة اخرى
الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية الإفتاء: حكم شراء الأضحية عن طريق البطاقات الائتمانية
" الصحة " :  97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم " الصحة " : 97 حالة “حصبة” سجلت منذ أيار لدى أشخاص لم يتلقوا المطعوم
الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع الملكة في يوم اللاجىء العالمي : دعونا نتأمل في معاناة الأمهات والرضع
3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار 3341طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي الثلاثاء - اسعار
الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن الدهامشة : الداخلية وفرت كل التسهيلات لقدوم العراقيين للأردن
العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا العلاوين: التوسعة الرابعة ستمكن المصفاة من تكرير 120 ألف برميل نفط يوميا
" الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار " الائتمان العسكري " : تمويل طلبات بقيمة 13 مليون دينار
العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا العيسوي يفتتح وحدة غسيل كلى بالمركز الطبي العسكري بمأدبا
الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي الصحة: مخزون استراتيجي للأمصال المضادة للدغات الأفاعي
بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان بالاسماء : تنقلات واسعة في امانة عمان
عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي عضو في لجنة الاقتصاد النيابية: بطء شديد في تنفيذ رؤية التحديث الاقتصادي
إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن إخلاء طفل من غزة لاستكمال علاجه بالأردن
تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام تسجيل 14 إصابة بالملاريا جميعها إصابات وافدة منذ بداية العام
ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي ملك إسبانيا : الأردن هو حجر الرحى في الاستقرار الإقليمي
الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة الملك : حل الدولتين أساسي لتحقيق السلام والازدهار في المنطقة
الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات الهواري يؤكد أهمية ضبط العدوى لتقليل مدة إقامة المرضى في المستشفيات